مرحلة ما بعد الإسلام السياسي

مرحلة ما بعد الإسلام السياسي
لقاء أحد النواب السابقين والمنتمي إلى تيار الإسلام السياسي جاء كارثياً بكل المقاييس، ليس لأنه عبّر عن رؤيته للديمقراطية والإصلاح السياسي بشكل يخالف الدستور ويتناقض معه! ليس لذلك فهو في النهاية حر في ما يراه من رأي، ولكن أن يُسقِط آراءه الشخصية على بنية الدستور وأساس تكوين الدولة المدنية بهذا الشكل، فذلك خطر، لأنه يروّج لرؤية لا مكان لها في دستور الدولة الذي كان قد أقسم على الحفاظ عليه وصيانته والعمل بجواره طوال الفترات التي دخل فيها قاعة عبدالله السالم ممثلاً للشعب وأميناً على مكتسباته الدستورية وحافظاً لحقوقه المدنية!
في اللقاء الذي أجرته جريدة الراي، استند نائبنا السابق إلى “الشرع” وليس “الدستور” في تبرير كل ما قاله، وتلك بحد ذاتها ظاهرة أصبحت تنذر بتحويل الكويت بأسرها إلى دولة دينية لا دولة مدنية يحكمها دستور ودينها الإسلام!
من بعض ما ورد على لسان هذا النائب السابق ما برر فيه مبدأ المشاركة في الانتخابات بدلاً من المقاطعة، حيث قال بالحرف الواحد: “إن الأصل في دخول مجلس الأمة هي فتوى شرعية بالمشاركة، وفي هذا أفتى كبار أهل العلم مثل الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز”!
وإنه، أي النائب، قد سمع في أحد الأشرطة ابن عثيمين يتحدث عن درء المفاسد، وأن نائبنا الفاضل قد استند إلى فتوى ابن عثيمين حول درء المفاسد ليبرر ضرورة المشاركة وبالتالي دخول المجلس! لذلك، فإن المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة هي من باب درء المفسدة!
أما موقفه المعارض لقانون البصمة الوراثية، فهو يراه مخالفة شرعية، ومن دون أن يتطرق هنا إطلاقاً إلى الحقوق الدستورية التي حفظت للمواطن حق المواطنة، بل يصر، أيضاً، على أن هناك فتوى تعارض قانون البصمة الوراثية!
ويواصل النائب السابق استناده إلى الفتاوى في إشارته إلى بعض الشعارات التي رفعتها المعارضة إبان الحراك، حيث يصف شعار “إما نكون اللي نبي وإلا عسانا ما نكون” بأنه شعار مخالف للشرع!
حديث نائبنا السابق يؤكد أننا اليوم نعيش مرحلة “ما بعد الإسلام السياسي”، حيث أصبح الناس يدركون جيداً أن تيارات الإسلام السياسي كلها لم تؤمن يوماً بالديمقراطية كفلسفة ومنهج حياة، بدليل أن ممارستهم لها لم تتعدَّ يوماً الوجه الإجرائي للديمقراطية أي الانتخابات التشريعية، حيث تشيع حينها فتاوى درء المفاسد، وجلب المصالح والتي هي خلاصة فلسفة مكيافيلية بحتة!
أما الديمقراطية الحقيقية المستندة إلى قيم الحرية والحقوق والمواطنة والواجبات، فإنها غالباً ما تكون مخالفة للشرع، ولنا في حديث هذا النائب السابق خير دليل!
