رؤيا، ورؤية!

رؤيا، ورؤية!
في السياسة يسمونها حنكة وقراءة مختلفة، وفي الشأن العام يعتبرونها انتهازية وابتزازاً! لكن، وبصرف النظر عن المسميات، من الواضح أن تيارات الإسلام السياسي قد بدأت في اعتماد لهجة و”حنكة” جديدتين في خطابها السياسي، مما يجعلني وغيري مضطرين، حين قراءة ما تكتبه أقلام رموز الإسلام السياسي وأتباعهم، إلى قراءة اسم الكاتب أكثر من مرة نظراً لما أصبحت تطرحه مقالاتهم من رؤية مناقضة تماماً لطروحاتهم التي عهدناها!
أحدهم يطالب وبجرأة متناهية بإصلاح التعليم، وعدم الانزلاق في جدل قضية الاختلاط! وينادي بضرورة انفتاح الكويت وتأمين الأماكن الترفيهية وعدم قصر دخول المجمعات على العوائل! ويذّكر بضرورة تمكين المرأة مع المطالبة بحقوقها كافة، سياسية كانت أو وظيفية أو اجتماعية! لكنه لم يتساءل من المسبب الأول للفوضى التي خيمت على أولويات التعليم، والتي جعلت من قضية الاختلاط قضية مصيرية في سبيل إصلاح التعليم! ولا من وقف وراء عزل المرأة، وتحريم خروجها للعمل بعد الثامنة مساء، وقصر تواجدها الوظيفي على مجالات محددة ومقننة!
موضة تيارات الإسلام السياسي اليوم أصبحت في اتهام الليبراليين بكل الإخفاقات التي طالت مجالات الحياة في الكويت، وأنهم جاهلون بالحضارة الإسلامية، وأن التجربة العلمانية أثبتت فشلها، والقومية العربية تبعتها، والشيوعية الإلحادية سبقتها بالفشل! ولم أفهم بعد الرابط المشترك بين كل تلك التوجهات، ولا علاقتها كلها بالتوجه الوطني المستنير الذي ساد الكويت في حقبة يعتبرها البعض أنصع الحقب الكويتية بياضاً، حيث توجت الكويت فيها درة للخليج، وكانت منارة للعلم وللثقافة وللصحة وللديمقراطية الخالية من كل صنوف التخلف والتعصب والانغلاق!
تيارات الإسلام السياسي، ومنذ التحالف الشهير الذي عقدته مع الحكومة في نهاية السبعينيات، تطرح نفسها كبديل عن القوى الوطنية الليبرالية! لكنها وعلى الرغم من كل التسهيلات التي قدمت لها على أطباق من فضة، لم تنجح في تحقيق تقدم أو إصلاح ملموس للكويت، بل على العكس تماماً، فسيادة قوى الإسلام السياسي شهدت انحداراً وتدهوراً حقيقياً على جميع الأصعدة، فالتعليم أصبح كارثة، والصحة عليلة، والتنمية مجمدة، والانحلال الخلقي من مخدرات ودعارة وشذوذ هو عنوان هذه المرحلة، والفساد السياسي والمالي أصبح القاعدة!
اليوم، خصوصاً في ظل يأس الشارع من مشاريع الإسلام السياسي، تغير تلك التيارات من لهجتها عملاً بمبدأ الحنكة السياسية. لكن هذه اللهجة الجديدة لاتزال وكعادة هذه التيارات لا تلامس الواقع، ولا تطرح الحلول! فكل ما يقدمه رموز الإسلام السياسي لا يتجاوز رؤيا وأحلاماً تخلو من الرؤية الحقيقية لطبيعة الأزمات في الكويت!
وشتان بين الرؤيا والرؤية، فالرؤيا من ملامح الأنبياء والاتقياء وأهل الآخرة، بينما تتميز الرؤية بكونها خاصية بشرية محضة، يمارسها أهل الدنيا. لكن، وبكل أسف، إن تيارات الإسلام السياسي وفي غمرة لهفتها على المكاسب الدنيوية الوضيعة، خلطت بين الرؤيا والرؤية، ففقدت الاثنتين معاً.

