ملفات ساخنة

النضال بالمراسلة!!

النضال بالمراسلة!!

تحدث “مارتن أنديك” صاحب نظرية “الاحتواء المزدوج” في لقاء أجرته معه جريدة القبس عن تصوره لشروط وطبيعة التغيير في العراق!! وحرص “مارتن أنديك” في ذلك اللقاء على التذكير بالفرق بين احتواء إيران، واحتواء العراق. فيقول إن السياسة الأمريكية قد وصلت إلى نقطة معينة أصبح معها احتواء العراق إضافة إلى تغيير النظام!!
كما أشار “مارتن أنديك” إلى العلاقة المباشرة بين احتواء إيران والعراق، وبين مباحثات السلام العربي – الإسرائيلي!! بل ويؤكد أن عدم قدرة الولايات المتحدة على إنجاز سلام مع سوريا قد ترك آثاره على قدرتها في احتواء صدام حسين!!
قد لا يختلف اثنان على حاجة العراق لتغيير جذري في نظامه الحاكم، وفي قيادته الحالية، فالأحوال الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تردت بصورة مخيفة وأصبحت تنذر بكوارث ومشاكل مستقبلية للمنطقة بشكل عام!! لكن الصورة التي أصبحت تفصح عنها الإدارة الأمريكية مؤخراً بما يتعلق بالتغيير في العراق، هي ولا شك صورة لا تقل رمادية ولا شحوباً عن الوضع الحالي!! فلقد أصبح للتغيير في العراق قانون هو “قانون تحرير العراق” وأصبح للمعارضة العراقية مسئول أمريكي يهتم بشؤون تلك المعارضة هو السيد “ريتشارد دوني”. وأصبح أيضاً هنالك آلية أمريكية محددة لشروط وطبيعة التغيير المطلوب!! أي بكل اختصار هي ثورة أو تغيير مستورد؟!
من الواضح أن المخطط الأمريكي لإقامة منطقة الشمال الآمنة، بهدف تكوين جبهة قادرة على تحريك العراق من الداخل، هو مخطط قد واجه فشلاً ذريعاً!! كما أنه من الواضح أيضاً أن مخططاً أمريكياً حالياً يهدف إلى إقامة منطقة جنوبية آمنة على أمل أن تحقق ما عجز عنه المخطط الشمالي!! لذا فإن من المتوقع أن يستمر استنزاف النظام من خلال القصف والهجوم المتقطع على أمل أن يلملم أهل العراق أنفسهم بعض الشيء!!
وسط كل هذه الأحداث يبرز سؤال مهم حول دور المعارضة العراقية في مجريات الأحداث اليوم، وعن مدى قدرتها الفعلية في استثمار ذلك القلق العراقي المتزايد في الداخل!!
مشكلة المعارضة العراقية أنها لا تزال ممزقة بين أفكار مختلفة وإيدلوجيات متباينة وأساليب عمل غير موحدة، فلقد أثبتت الأحداث أنها تفتقد القدرة على الدهاء والمناورة السياسية التي برع ديكتاتور بغداد في استخدامها، وتفوق على المعارضة في تسخيرها لبقائه واستمراره!! كذلك تفتقد المعارضة العراقية إلى خطوط رئيسة وقواسم مشتركة للعمل على تخليص العراق، فبخلاف الاتفاق بين أطراف المعارضة كافة على ضرورة تغيير النظام في العراق، لا يوجد برنامج عمل موحد، ولا آليات نضال واحدة!! وهو أمر قد أدى إلى دخول قوى وأطراف أخرى في الشأن العراقي الداخلي، سواء من خلال القانون الأمريكي للتغيير في العراق، أو من حيث الإدارة الغربية المباشرة للمعارضة العراقية!!
لقد طال إرهاب نظام صدام حسين أطراف المعارضة في خارج العراق، فلقد كان لمسلسل العنف في العراق فصول كثيرة من اغتيالات وتصفيات دارت أحداثها في عواصم عربية وغير عربية، وقد ساهم ذلك في إضعاف قدرة المعارضة العراقية على التخطيط والعمل بصورة جيدة، لكن استمرار أداء المعارضة الضعيف وفي ظل الظروف الراهنة التي لا يملك نظام بغداد فيها ذلك الامتداد السابق، تجعلنا لا نستطيع إعفاء المعارضة من مسئولية استمرار الوضع القائم في العراق، أو من دورها في السماح للآخرين بالتدخل المباشر!! لقد أثار “مارتن أنديك” في لقائه مع القبس ضرورة إشراك دول الجوار في إنقاذ العراق، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تفرض شيئاً على العراقيين لأن التغيير وكما يقول “مارتن أنديك” لا يمكن تحقيقه إلا بواسطة الشعب العراقي والذي عليه أن يعرف الآن بأن هنالك التزاماً أمريكياً بمساعدتهم والوقوف إلى جانبهم في الوقت المناسب، عندما يحين التغيير!! ولعلها المرة الأولى التي يتحدث فيها مسئول أمريكي بهذه الصراحة عن دور دول الجوار في التغيير وعن الاستعداد الأمريكي للمساعدة لأية محاولة جادة!!
قد يكون هنالك احتمالات كثيرة للتغيير في العراق، غير أن هنالك احتمالاً واحداً فقط لإنجاحه، وهو أن يكون التغيير من داخل العراق، وعلى يد الشعب العراقي، مما يفرض على المعارضة العراقية – إن كانت جادة – دوراً جديداً ومهماً يتطلب منها الخروج من دائرة الغربة، والنضال بالمراسلة، والدخول في قلب الجماهير العراقية، بهدف إعادة بناء الثقة في قلوب المواطنين هناك، الثقة في قدراتهم على المساهمة في التغيير، وعلى دورهم المباشر فيه!! فالمعارضة بالذات قد أدركت وبعد كل هذه السنوات أن إسقاط النظام العراقي لا يمكن أن يكون من الخارج، وأن النضال لا يمكن أن يكون بالمراسلة، وأن الثورة أداء وفكر بشري، لا يمكن أن يكون مستورداً!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى