الذاتية.. ظاهرة عربية

الذاتية.. ظاهرة عربية
من الأمور التي لفتت انتباه الكثيرين خلال المظاهرات التي خرجت من الكويت لمناصرة الانتفاضة في الأرض المحتلة صور السيد “حسن نصرالله” الأمين العام لحزب الله. والتي رفعها المتظاهرون في مسيراتهم وتصدرت قاعات الندوات الخطابية المساندة للفلسطينيين في نضالهم لاسترجاع حقوقهم وأراضيهم!!
ومع كل احترامنا وتقديرنا لمكانة السيد “النصرالله” السياسية والنضالية إلا أن رفع صورة بهذه الطريقة يؤكد إصرار الجماهير الغاضبة ولهفتها إلى نسب انتفاضة أطفال ونساء ورجال الأرض المحتلة لشخص أو لفرد سواء كان السيد “نصرالله” أو غيره. وهو بلا شك إصرار يعكس ظاهرة عربية بحتة، تتلخص في اعتزاز العرب وتمسكهم بدور الأفراد لا الجماعات والكتل واشتياقهم الدائم إلى دور (البطل) الفردُ!! وتلك بكل تأكيد ظاهرة عربية مؤسفة أفرزت سلبيات كثيرة امتدت ولا تزال عبر التاريخ العربي الحديث منه والقديم!! ولعل أكثر تلك السلبيات وضوحاً وأشدها ألماً ومرارة وحزناً هو ما حل بالقضية الفلسطينية منذ رحلة (التهجير) الأولى في العام 1948 وإلى انتفاضة الأقصى الثانية في عام 2000!! فلم يطل التغيير شيئاً من آليات النضال الفلسطيني ولا رموزه حتى مع كل الإخفاقات التي طالت حركة النضال تلك!! ومع كل التحولات التي طرأت على المنطقة بشكل عام!! وبقي الفرد لا الشعب هو الرمز الأول في ذلك النضال.
لقد تطور الوضع في الأرض المحتلة من حال الانتفاضة الشعبية ضد اعتداءات واستفزازات الجيش الإسرائيلي ودولته، إلى حرب استنزاف بشعة قد تطول إلى أن تحقق الإدارة الإسرائيلية أهدافها الرئيسية والمتمثلة في (تطهير) الانتفاضة الفلسطينية من رموزها وأدواتها الأكثر قوة وأهمية!! وليست هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها استنزاف وإبادة الفلسطينيين، فقد حدث في الأردن عام 1970 وفي لبنان عام 1982، كما سبق وأن أخمدت الانتفاضة الأولى عام 1987 وتحولات إلى مدخل لسلام الغدارة الفلسطينية (صامدة) أو جامدة.. لا فرق! لأن (الظاهرة العربية) تحبذ الجمود وتستأثر بالأفراد حتى وإن كانوا مجرمين كصدام حسين أو متخاذلين كياسر عرفات!!
ولو تحدثنا اليوم مع أي فلسطيني أو أي غربي فسنجده يندد بموقف القيادة الفلسطينية الضعيف من الانتفاضة وبسلام “عرفات” (الشجاع)، تماماً كماً يندد الجميع ودائماً بصدام حسين وقيادته التي جرّت الويلات على العراق وشعبه!! لكننا في المقابل سنجد أن مقومات بقاء صدام حسين وقيادته أو ياسر عرفات وإدارته تكمن في تكويننا السياسي السلبي وثقافتنا القبلية المحدودة والمنغلقة!! وجهلنا المطلق بشروط وأدوات التحول والتطور السياسي!! أو كما أشرنا سابقاً هي تعود إلى تلك “الظاهرة العربية” التي لازمتنا في كل مراحل تاريخنا الطويل!! والتي جعلتنا في كل مراحله نُصر أن يكون للنضال أب واحد وللانتصار أب واحد، ونرفض أن تكون أبوّة النضال مشاعاً تتقاسمه الجماهير والشعوب التي ساهمت في إشعاله وتأجيجه!!
منطق غريب، وظاهرة أغرب، لكنها تبقى الحقيقة التي حاصرتنا عبر التاريخ. وأسرتنا تحت لواء (المناضلين) الطغاة وراية (المنتصرين) المهزومين!! وألقت معها كل دور للشعوب وللجماهير، مما انعكس على واقعنا السياسي العربي في شكل عام، وعلى ثقافة الحريات والديمقراطية والتعددية بشكل خاص!!
قد نستطيع أن نعود بتلك الظاهرة إلى حقبة الإسلام الأولى، حين اختلف المسلمون بعد وفاة الرسول c حول النظام السياسي الأفضل!! وقد تركز اختلافهم في سؤال واحد هو “من يحكم؟!” بمعنى من أي قبيلة أو أي فخذ أو عشيرة؟! فكان السؤال قاصراً لا جامعاً، أي أنه اختزل قضية ومسألة الحكم السياسي في شخص وفي قبيلة؟! ولم يشمل آلية الحكم بشكل عام!! فلم يكن السؤال حول أٍسلوب الحكم، كيف يُعين الحاكم وكيف تدار الدولة؟؟ وإنما تركز في هوية الفرد الذي سيرث الخلافة أو الدولة؟!
وبالطبع وكما حدثنا التاريخ فقد أدى ذلك الطرح الذاتي لقضية عامة وموضوع جامع إلى مشاكل سياسية وأزمات راح ضحيتها شهداء من صحابة الرسول c ومن أهل بيته الكرام!!
إن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها المواطن العربي، هي في ذلك التكريس الساذج لدور الأفراد في كل شأن من شؤونه الحياتية. والذي خلد طغاة ليبقوا حكاماً وقادة، ونصّب مهزومين ليصبحوا منتصرين، ليصبح بذلك الجاني والمجني عليه في معادلة الذاتية وحكم الفرد في الظاهرة السياسية العربية!
