شئون عربية

نهر الدماء

نهر الدماء

منظر القذافي مضرجاً بدمائه والثوار من حوله يرقصون فوق جثمانه، هو منظر لا يبشر بخير! فنحن أمة روتها الدماء وقد لا نستطيع أن نخرج من هذا النهر الدموي من العنف قبل مضي عقود طويلة!
أتذكر أثناء الحرب اللبنانية أن هناك من قال إن علينا إبادة جيل الحرب بالكامل قبل أن نستطيع الخروج من دائرة الدم والانتقام! وبالفعل ما إن وقفت الحرب حتى بدأ لبنان مسيرته الدموية ولا يزال!
العراق هو الآخر، خرج من دموية فرد ليدخل في دموية مجتمع بأكمله، غاب صدام حسين وأكلت الديدان ما تبقى من جسده والدماء لا تزال تسيل كالأنهار في بلد الرافدين.
وستتبع لبنان والعراق دول عربية أخرى بدأت مسيرتها الدموية كاليمن وليبيا وسوريا ومصر، وستأتي غيرها في المستقبل القريب لتتفجر دماء العنف في شتى أنحاء الوطن العربي!
ليس تشاؤماً هذا، بل واقع، فالعالم العربي ظل سجين القبور الاستخباراتية لأكثر من ستة عقود، ودم المواطن العربي فيه كان مستباحاً، إلى درجة أن أعمدة النور حلّت محل النقص في المشانق بسبب كثافة المعدمين! وفي هذه الظروف لا يمكن لنا أن ننتظر وقوف حمامات الدم هكذا فجأة.
لتكن البداية من ليبيا على الأقل، وليعمل المجلس الانتقالي على محاكمة الذين أعدموا القذافي، ومن دون ذلك نكون قد أعطينا الحق لكل صاحب حق في أن يصنع قصاصه بنفسه، هذا هو التحدي الأول الذي ستواجهه ليبيا، وسيجعلها مرغمة على أن تختار بين عدالة الشارع أو عدالة القضاء والقانون.
مثل هذا التحدي ستواجهه جميع دول الثورات الربيعية، ولعل مصر في هذه الحالة قد سعت إلى قطع الطريق على عدالة الغوغائية بفتحها المحاكم والقضاء لمحاكمة رؤوس الفساد بمن فيهم رئيسها المخلوع، وهو ما على ليبيا أن تسعى إليه فوراً، خاصة في ظل قضايا الثأر التي ملأت قلوب الليبيين بعد أشهر من القتل والاغتصاب والتعذيب.
في أحد الأفلام العربية القديمة يتناول المخرج قصة شاب دمث الأخلاق وطموح، يتورّط في قضية ثأر تتطلب منه القتل، ونظراً لجهله في أمور القتل والسلاح، فقد لجأ إلى أحد القتلة المأجورين ليدربه، مع الوقت نشأت علاقة بين الاثنين اكتشف خلالها القاتل المأجور شخصية ذلك الشاب ودماثته، وعز عليه أن يلوث يده بالدماء، في نهاية الفيلم يقف الشاب حاملاً سلاحه متأهباً لقتل هدفه، لكنه يفشل ويلقي بالسلاح ليجد القاتل المأجور من خلفه حاملاً سلاحه هو الآخر ومشيراً إليه بأنه كان سيقتله على الفور إن هو قام بالمهمة، لأنه ـ أي الشاب ـ إن قتل هذه المرة، فسيكون مجرماً وإلى الأبد.
مغزى الفيلم ينطبق على حال الثورات العربية الراهنة، التي عليها أن تلجأ إلى القانون وإلى صناديق الاقتراع فور سقوط طغاتها، وإلا فستؤدي حمامات الدماء فيها إلى ولادة طغاة جدد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى