شئون عربية

ثورة مساتير الجبرتي

“ثورة مساتير الجبرتي”

حديث “محمود أمين العالم” الذي نشرته “الطليعة” في عددها السابق.. حديث خطير ومخيف في آن واحد!! فحديث “العالم” والذي اتخذ من الانتخابات المصرية الأخيرة مدخلاً.. لإلقاء ضوء على واقع المجتمع والسياسة في مصر.. حديث يهمنا جميعاً.. لأمور تتعلق بدور مصر العربي.. وبحتمية انعكاسات القضايا السياسية والاجتماعية في مصر على دول المنطقة بوجه عام!! وهو أمر لمسناه وأدركناه كشعوب عربية.. في كل ما ألم بالمنطقة العربية من أحداث وتغيرات.. ومروراً بالحروب العربية – الإسرائيلية.. ووصولاً إلى مشاريع السلام القائمة الآن!!
أراد “محمود العالم” من خلال حديثه أن يشير إلى طبيعة المخاطر التي يجابهها المجتمع المصري.. والتي لا يمكن اختزالها في مسألة التزوير في الانتخابات الأخيرة سواء كان تزويراً مباشراً أم غير مباشر.. خاصة أن المجتمع السياسي المصري هو الآن في مواجهة شرسة مع قضايا جوهرية أعمق بكثير من تزوير الانتخابات!! أبرزها حالة الصدام الاجتماعي على أساس مصالح ومنافع مباشرة.. وليس على أساس سياسي وفكري!!
لقد أثار “محمود العالم” هنا قضية هي ولا شك قضية عالمية.. وإن كانت تبعاتها أكبر وأعمق في المجتمعات الفقيرة.. والمكتظة سكانياً!! قضية تراجع ما أسماه بالحزام الأيديولوجي.. في مواجهة المافيات المصلحية!!
بمعنى آخر.. فإن حديث “العالم” يشير إلى تصاعد الفساد في مصر.. والذي أصبح يقرع أجراس خطر.. والتراجع الرهيب للمكانة السياسية للدولة في مصر!!
نتائج الانتخابات المصرية الأخيرة.. هي ولا شك مؤشر خطر يؤكد حقيقة تدني وتراجع المطالب الجماهيرية.. وتقلص طموحات الفرد في مصر والذي أصبح أقصى طموحاته السياسية.. وتطلعاته الانتخابية هي توفير “رغيف الخبز” فقط لا غير!! بينما أصبحت الأرصدة والأموال مواصفات أساسية في السياسي (الناجح).. ورجل الشعب!! حتى لقد جاء في رد لوزير التعمير المصري منذ أسابيع.. على سؤال وجه إليه حول اقتصار الخدمات التي تؤديها وزارته على أصحاب الملايين فقط.. رد قائلاً: إن وزارته ليست وزارة شؤون اجتماعية.. وبأنه تاجر ويتطلع للربح.. وبذلك فهو لا علاقة له بظروف المواطن.. ولا بالسياسة وشؤونها!!
لا شك أن الفساد آفة.. لا تقتصر على المجتمع السياسي المصري وحسب!! وتبعات للفساد على أي مجتمع لها مخاطرها الحتمية.. سواء كان فساداً مصرياً.. أم غير مصري!!
غير أن للمجتمع المصري خصوصيته التي تجعل من الفساد قاتلاً!! ففي إحصائية عن توزيع الدخل في مصر.. تشير الأرقام إلى أن ما يقارب الـ٪97 من الدخل.. يتمتع به ما يقل عن العشرين بالمائة من المصريين!! مما يعني أن هناك اختلالاً متفجراً للتوازن الاجتماعي.. يدفع بالأغلبية إلى ما تحت خطر الفقر.. في مقابل أقلية أصبحت في مستوى البليونيرات في العالم الصناعي!! ولكي يتمتع هؤلاء بالمائة والعشرين طائرة خاصة تملكها تلك الفئة في مصر.. يجب على الفساد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً أن يدوم!!
لقد استطاع المجتمع السياسي المصري.. أن يحتفظ بقدر من التوازن.. الذي حقق الاستقرار فيما بعد ثورة يوليو.. على الرغم من تواضع الدخل.. والنمو السكاني المتسارع!!
الآن.. يتعرض هذا التوازن إلى محاولات اختراق.. نجحت في أغلبها.. من قبل أصحاب المائة والعشرين طائرة خاصة!! محاولات أدت إلى تخلخل في الطبقة الوسطى في مصر.. والتي كانت عمود الاستقرار.. السياسي والاجتماعي!! والتي كان يصفها المؤرخ “عبدالرحمن الجبرتي” بكونها معيار الحركة والركود في أي مجتمع!! أو كما يقول بأنه لا يعترف بالثورة أو بالتحرك الثوري إلا إذا شمل التجار (ومساتير الناس) كما كان “الجبرتي” يصف الطبقة الوسطى!! والذي كان يرى أن المجاعة تعتبر أزمة فقط إذا ما طالت (مساتير الناس)!! أما فيما عدا ذلك.. فكان يسميه (هوجة) قام بها (الزعر والجعيدية والحرافيش) على حد تعبيره!!
“مساتير الجبرتي” اليوم في مصر.. هم الذين ضاعوا مع ضياع الرؤية الاستراتيجية المستقبلية الواضحة.. ومع تحول العمل السياسي.. إلى تنفيع واستفادة.. وتراجع الشعار الانتخابي ليصبح لافتة أسعار.. وتسعيرات!! ومع تهافت الأقلية على الاستفادة من خصوصية القطاع العام.. وتعمير السكن السياحي بدلاً من المساكن الشعبية!! الإنذار الذي أعلنه “محمود العالم” في حديثه.. يحمل مخاطر حقيقية ليست من شأن المجتمع المصري وحده!! فالاتجاه السائد الآن نحو إلغاء دور الدولة في رعاية الفرد.. سيخلق مافيات خدمات.. ستسعى هذه الأخرى وبكل تأكيد إلى أن يكون لها دور و(برستيج) سياسي مدفوع بالدولار!! وسواء أطلقنا ألقاباً حضارية على مشاريع الخصخصة أم لا.. فإن تأثيرها المتوقع خاصة في المجتمعات متواضعة الدخل.. هو بالتأكيد سيكون تأثيراً سلبياً!!
نحن جميعاً ننتظر مصيراً مشابهاً لمصير مصر الآن.. مما يفسر عمومية حديث “محمود العالم”!! خاصة بعد أن أصبح العمل السياسي معروضاً للبيع.. وغدا للشعار الانتخابي سهم وسعر!! ولا طائل لنا في الخلاص من حالة التشوه هذه إلا بتفعيل “مساتير الجبرتي” وحثها على الدفاع عن حقها المعروض للبيع في خصخصة الحقوق!! والمرهون لدى البنك الدولي!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى