التغيير من الداخل

التغيير من الداخل
هل حاول أحد منا أن يتصور لو أن الكائن البشري لا يمر بمراحل التغيير والتطور سواء الجسماني منها أو العقلي.. والتي نتعرض لها جميعاً.. مع استحالة الاستثناء هنا.. والتي تصل بنا بعد عمر طويل.. إلى مراحل الشيخوخة ثم الوفاة. فلو حاولنا أن نتخيل أن كل الكائنات الحية توقفت عند مرحلة ذروة العطاء والحيوية والشباب.. لضاق هذا العالم الفسيح ذرعاً بها.. ولتغيرت بذلك كل قوانين التطور وتبدلت كل نظريات النشوء. وتماماً مثلما هو في حكم المستحيل أن يتوقف تطور وتغير الكائن البشري ونموه من طفل إلى شاب ثم إلى كهل.. كذلك تمر المجتمعات بمراحل التطور تلك.. مما يعني استحالة الوقوف في وجه هذا التغير أو منعه من الحدوث.
ولو تطرقنا للتغيير القائم في المجتمعات العربية.. فإننا سنجده ومنذ بداية القرن الحالي.. تغييراً محدوداً لا يتماشى إطلاقاً مع المستجدات والظروف التي عصفت بالمنطقة. فلو نحن استثنينا التغيير في المجتمعات العربية في مواجهة التَترَيك.. ومحاولة الاستقلال والانفصال عن الدولة العثمانية.. ثم محاولات الاستقلال والتحرر فيما بعد من الاستعمار الغربي الذي حل محل الدولة العثمانية.. لو استثنينا هاتين المرحلتين من التغيير.. لخرجنا بحصيلة محدودة جداً للتغيير فيما بعد ذلك.. وحيث استمرت غالبية الدول العربية دون تغيير يذكر في أنظمتها السياسية والاجتماعية.
وقد يكون ذلك عائداً لسوء فهم المجتمعات العربية والأنظمة السياسية فيها لمسألة التغيير.. وعلى كونها تهديداً لاستقرار تلك المجتمعات وعرقلة لأمنها وأمانها. علماً بأن عملية التغيير هي أساساً عملية بحث عن الاستقرار عن طريق محاولة خلق توازن بين مستجدات الحياة من ناحية.. والقوانين والنظم المعمول بها من ناحية أخرى مما يخلق مناخاً أفضل للاستقرار.. لا تهديداً له.
ونظراً لكون التغيير مسألة حتمية تخلقها التراكمات.. سواء في الكائنات الحية.. أو في الأنظمة السياسية.. فإن تأجيل عملية التغيير أو عرقلتها يجعلها أكثر عنفاً ودموية.. ولكنه أبداً لا يلغيها. إضافة إلى كون عملية التغيير واقعاً قد يكون بإمكان بعض المجتمعات تجميده.. ولكن ليس بإمكانها تزييفه.. أو التظاهر به.. وكما هو حال بعض الدول العربية التي تتظاهر بالتغيير من خلال خلق متنفس محدود لممارسة الحرية عن طريق إقامة مجالس الشورى.. أو الهيئات الاستشارية كبديل عن مطالب شعوبها بالتغيير نحو مجتمعات ديمقراطية متمتعة بالحرية الكافية. وهي محاولات أثبتت فشلها في بعض المجتمعات العربية.. وذلك من خلال رفض الجماهير لها كبديل عن الديمقراطية الحقيقية خاصة في ضوء التغيرات السريعة نحو الحرية وحق الإنسان في التعبير والرأي الحر.. والتي اتسم بها العصر الحديث وبحيث أصبحت تفرض نفسها على المجتمعات السياسية العربية.. مما يعني ضرورة التلاؤم معها.. وذلك بإعادة صياغة تلك المجتمعات بأسلوب تقنن به إمكانية العنف الذي قد تحدثه رغبة التغيير المكبوتة لدى تلك المجتمعات.
لقد ثبت من تجارب غيرنا من الشعوب أن عملية التغيير لا يمكن أن تفرض فرضاً من خارج المجتمع بقدر ما هي عملية داخلية.. قد يكون للظروف الخارجية تأثيرها الملموس.. لكنها أساساً تنشأ.. وتتطور متخذة شكلها النهائي بجهود المجتمع الساعي للتغيير.. ولكي تكون أكثر وضوحاً.. سنستعير للمقارنة ظروف التغيير التي فرضت خلق مجتمع ديمقراطي في الوطن.. فعلى الرغم من أننا محاطون بمجتمعات ترفض الديمقراطية جملة وتفصيلاً.. إلا أن جهود أبناء الوطن هي التي حققت ذلك التغيير نحو مجتمع أكثر حرية وديمقراطية.. بل إن الجهود التي سعت إلى عرقلة تجربة الوطن الديمقراطية وكلها كانت جهوداً خارجية لم تستطع أن تقوض التجربة الديمقراطية وإن استطاعت في مراحل معينة أن تعرقلها ولفترات محدودة.
إن عملية التغيير لأي مجتمع بشري هي حصيلة نضال وجهد أفراده.. الذين استطاعوا الاستفادة من تجارب الماضي بأسلوب يتعين عليهم مواجهة الحاضر والمستقبل.. مع الاستعانة بتجارب الشعوب والمجتمعات الأخرى.. ولكن دون الاعتماد عليها في إحداث عملية التغيير. ولعلّ في واقع المجتمع العراقي الآن.. ورغبته في تغيير نظامه السياسي وإقامة مجتمع أفضل ما يؤكد حقيقة ذلك فلقد انتقد الكثيرون موقف دول التحالف الدولي لعدم دخولها بغداد.. والاكتفاء بالوقوف على مشارفها بدلاً من التوغل فيها والإطاحة بالنظام القائم وهو وإن كان موقفا أساء بعض الشيء للتحالف الدولي.. وذلك لعدم دعمه لثورات الأكراد في الشمال.. والشيعة في الجنوب.. إلا أن حقيقة الأمر تقول إن التحالف الدولي لم يكن بمقدوره القيام بعملية التغيير تلك دون مؤازرة وعون من الداخل.. تكون قادرة على رسم ووضع صيغة للتغيير المطلوب إحداثه.. وهو أيضاً العامل الذي تفتقده مجموعات المعارضة العراقية والتي ستظل عاجزة عن إحداث التغيير ما لم تخلق قاعدة في داخل العراق للتعامل معها والتنسيق على ضوئها وهي وإن كانت عملية من الصعب تحقيقها في المرحلة الحالية وتحت عنف ودموية النظام الحاكم.. إلا أنها ستظل الأسلوب الوحيد والأمثل لخلق مجتمع ودولة لا تدين بخلاصها لغير مواطنيها وأفرادها.
ولقد كان لهذه الصيغة من التغيير والنضال لخلق مجتمع أفضل.. أي صيغة التغيير من الداخل.. أمثلة كثيرة تؤكد فاعلية هذا الأسلوب وقدرته على إحداث التغيير الذي يتم بمساهمة ومشاركة أفراده.. بل ويضع المواطن ذاته لملامحه.. فثورة “الخميني” ما كانت لتحقق أهدافها لو لم تخلق أولاً قاعدة من داخل الجماهير الإيرانية للتعامل والنضال معها.. وثورة الحجارة الفلسطينية حققت من الإنجازات ما عجزت عنه كل الجيوش النظامية.. وكل رحلات ومهمات المنظمات الفلسطينية.. وبحيث أصبح لثوار الحجارة من داخل الأرض المحتلة ثقل يضعه الجيش الإسرائيلي في قمة اهتماماته وحساباته.
إن التاريخ بأحداثه ما هو إلا من صنع الإنسان نفسه.. بل إن تفاصيله وأحداثه يخلقها الإنسان ويصوغها بإرادته بنفسه ولنفسه.. بمعنى أن الفرد هو الذي يحرك التاريخ ويشكله.. وهو بذلك يملك المبادرة نحو تغيير المجتمع والعالم من حوله لتحقيق التقدم والرخاء المنشود.. وكل ذلك لا يمكن أن يأتي صدفة.. ولا فجأة.. وإنما بالتعامل مع الظروف المتاحة.. لإرغام القدر على الانحناء والاستجابة.. لإرادة الشعوب والإذعان لرغبتها في الحياة.
