شئون عربية

الذين يحرقون الجسور

“الذين يحرقون الجسور”

“إذا شئت أن تعبر إلى جهة أخرى، عبرت جسراً، وحين تريد أن تتصل بالآخر، وتصل إليه تمد الجسر نحوه أو تلاقيه على الجسر الممدود، فإذا اخترت أن تقاتله أو تحاصره أو تحمله على الاستسلام أحرقت الجسور التي كات تربط وتوصل. والجسر يردم الهوّة فيجعلها أرضاً سوية، وقد تقيم تحته مياه هائجة، وقد توجد على طرفيه أراض يعبث بها العنف والخراب، لكنه يلوح أشبه باحتمال الأمل وسط هذا وذاك، مرتفعاً عن هيجان الماء، حائداً عن اشتباك الضفتين. فحين يسكت الحقد، يعاد إليه الاعتبار الذي فقده في زمن الجنون السابق، وينتبه المعنيون إلى أنهم يملكون كنزاً ثميناً. لهذا قيست الحضارات العظيمة بالجسور التي بنتها، أما الذين انتحروا برمي أنفسهم من فوق جسر فأعلنوا عجزهم عن الاتصال وهم على مقربة من رمزه الأبرز”.
كلمات قيمة وثمينة، ملأى بالحكمة والعقلانية، جاءت لتختتم أحد أعداد مجلة “أبواب” الشهرية والصادرة عن دار “الساقي” وهي تترجم وبدقة متناهية حالة اللاتواصل التي أصبحت أكثر ما يميز الواقع العربي المعاصر، والذي أحرق كل الجسور فغاب التنسيق المشترك وتوالت معه كوارث متتابعة ارتسمت وبشدة على المشهد السياسي العربي لتبقى سمته الأساسية ولعقود مقبلة سيزداد عددها مع كل جسر نحرقه أو ندمره.
لقد عبر الوطن العربي بفترة كان مفهوم التواصل فيها صرعة يتسابق أهل النخبة، وثوار المقاهي على التباهي بعناوينها. فأشبعها هؤلاء مع منظري “الثورة والإصلاح” جدلاً ونقاشاً جاوز في مرماه وهدفه قاعدة الحقيقة الصلبة.
الآن تعود قضية التواصل العربي وبإلحاح شديد، بعد الكوارث التي أفرزها غياب ذلك النوع من الإدراك والوعي. وإذا كان عدو التواصل العربي في الفكر السابق هو “الإمبريالية والاستعمار”، فإن العدو الجديد اليوم هو من بنيتنا وتكويننا وفكرنا السياسي والذي أصبح المعوق الرئيسي نحو كل جهود التواصل، والترابط.
التواصل العربي المطلوب اليوم هو لا شك تواصل تفرضه أولاً الأرضية التاريخية والثقافية المشتركة، وثانياً فداحة الخسائر التي لحقت بنا جميعاً من جراء تجاهل تلك الضرورة.
فلقد سبق أن أحرق العرب جسور التواصل من قبل مما دفع بإيران لأن تهدد الإمارات العربية المتحدة، وتستولي على الجزر، لتبقى مصدر قلق لدول الخليج وليستمر بعد ذلك إتلاف الجسور الذي أدخل المنطقة العربية في حرب استنزاف بين العراق وإيران كانت نتائجها وبالا على العرب جميعاً، وفوزاً لإسرائيل ولسماسرة السلاح في العالم.
لا نريد أن نسترسل في الحديث عن فواتير اللاتواصل وحرق الجسور وإن كانت الإشارة ضرورية هنا إلى أن أول شروط التواصل هو الانصهار التام في القضايا والمشاكل الرئيسية والتي غالباً ما تفرض نفسها واقعاً لا يقر ولا يعترف بجغرافية الحدود وقوانينها. فبحسب منطق الجسور لا توجد قضايا وأزمات فردية وقاصرة على دولة دون أخرى. فالخصوصية التي يسعى البعض لإبرازها والإصرار عليها لا تستطيع أن تصمد في وجه أحداث عاتية كأحداث الغزو وحرب الخليج الأولى والثانية، فكلها أحداث أكدت أن الانصهار في القضايا والأزمات هو أساس العلاقة التي تربط منظومة الدول خليجية كانت أم عربية.
لا شك أن القضية الرئيسية للدول العربية بوجه عام ولدول الخليج بصفة خاصة، والتي نقف أمامها اليوم هي في تحديد ملامح الشرعية ومفهوم الوطنية. وفي وضع إطار صلب وحقيقي للحرية وللديمقراطية. وهي في مجملها قضايا وبائية، لا حدود لانتشارها، ومن هنا فقد كانت دوماً شؤوناً عامة لدول المنطقة لا تؤمن بالخصوصية التي يصر عليها البعض ويحرق في سبيل الإصرار عليها جسوراً كان بإمكانها أن تكون ممراً سهلاً للاتصال والتواصل، وتعبيراً حضارياً وراقياً عن سلوك الحوار والاختلاف، غير أن ذلك لا يمنع أن يكون بيننا من يشيد الجسر من جديد ويردم المياه الآسنة وليعبر منه في وضح النهار.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى