الذين يصنعون الموت

الذين يصنعون الموت
في لهجة تحذيرية.. أعلن وزير الخارجية الأمريكي “وارن كريستوفر“.. أنه أبلغ إسرائيل ومصر والدول الأخرى.. أن بلاده تعلق أهمية كبيرة على تجديد معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية إلى الأبد!! وأكد في حديثه الذي نشرته جريدة “الحياة” أن واشنطن تعتبر ذلك أولوية كبرى!! وتحض دول العالم على الموافقة على هذه المعاهدة.. التي تعتبرها واشنطن أم المعاهدات الدولية!!
وبينما يرى الشريك الأمريكي.. أن لا سلام في الشرق الأوسط.. ما لم يتم تجريد العرب من سلاحهم!! يعلن الرئيس المصري.. أن مصر لن توقع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.. إلا إذا وقعتها إسرائيل!!
وعلى الرغم من أن المعاهدة.. هي دولية أساساً.. حيث يجري الاحتفال في الأسبوع الأول من شهر مارس بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لبدء سريان هذه المعاهدة.. والتي تم التوقيع عليها في العام 1968.. بأكثرية دول العالم!! إلا أن التركيز على توقيع الأطراف المتناحرة (سابقاً) في الشرق الأوسط.. يأتي في أولويات واشنطن!! وحيث يشكل الامتناع المصري أحد معوقات مسيرة السلام الشرق أوسطية!!
الإحصاءات تقول إن إسرائيل تمتلك مائتي قنبلة نووية.. بينما لا تزال إيران.. أكثر دول المنطقة تقدماً في مجال السلاح النووي.. لا تزال في مرحلة إكمال مفاعلها النووي في “بوشهر” وسط شكوك في إمكانية إنتاج قنبلة نووية إيرانية.. وذلك لعوامل فنية تختص بخصوبة اليورانيوم الإيراني.. والذي يقال إنه غير صالح لإنتاج سلاح نووي!! بمعنى آخر فإن إسرائيل لا تزال عملياً متفوقة على (أعدائها السابقين) في تكنولوجيا السلاح النووي بما تملكه من دعم تكنولوجي غربي.. وحرية يكفلها لها الغرب في التمرد على اتفاقيات الحد من التسلح.. وحيث تأتي إسرائيل مع الهند وباكستان.. كأبرز الأطراف التي لا تزال تصر على عدم توقيع المعاهدة!!
من الأحاديث المشهورة في أمريكا.. حديث للرئيس الأمريكي “أيزنهاور“.. حذر فيه من تزايد نفوذ المصانع العسكرية.. وأباطرة السلاح.. خشية أن يؤثروا في السياسة الأمريكية!! وهو أمر قد بدأنا الآن نلمس آُثاره الفعلية.. فالحد من التسلح الذي يلهب العالم الآن لاحتوائه ضمن معاهدات تلزم الدول الموقعة احترامه.. لم يعد قراراً سياسياً فحسب.. بعد أن ملأت صراعات الحرب العالمية الباردة أرجاء العالم بأشد أنواع السلاح فتكاً وتدميراً!! قد يكون من السهل نسبياً على العالم تحقيق محاصرة للسلاح.. والحد من انتشاره.. في مرحل الحرب الأولى أو الحرب الثانية.. أو فيما بين الحربين.. حين كانت أقطاب الصراع الفعلي تأتي في المقدمة!! ليكون الحسم والانتصار من نصيب الأقوى عسكرياً.. والأكثر تفوقاً في السلاح والعتاد!! أما بعد أن استحال اللقاء العسكري بين العمالقة.. بسبب تكافؤ القدرة النووية.. أو ما سمي بسلام الردع النووي.. وأصبحت حروب الكبار.. يقودها الصغار بالوكالة.. ليشعلوا الأرض حروباً.. ودماراً.. سرعان ما امتدت لتغذي صراعات ونزاعات تاريخية دفينة.. أثارها وأشعلها سهولة الحصول على السلاح ووفرته!! فإن الحد من التسلح في ظل هكذا ظروف يصبح حلماً.. قد يطول تحقيقه!!
الصراع بالوكالة.. الذي شهدته سنوات الحرب الباردة.. لم يثر النزاعات الدفينة.. ولم يؤجج الحروب الأهلية بين الدول الصغيرة فحسب!! بل هو.. أثرى حسابات أباطرة السلاح.. وتوج مافيا الذين يصنعون الموت.. ملوكاً بلا عروش!! وهو ما حذر منه الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” من قبل!! فمافيا السلاح العالمية وصناعة الموت أصبحت أكثر قوة وبأساً.. بعد أن تهافتت عليها العروض من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.. المنهارة والجائعة!! وأصبح السلاح النووي.. والتكنولوجيا النووية.. من إغراءات مافيا السلاح الجديدة!! والتي لا تتوانى عن الترويج لها في بؤر الصراع في العالم!!
الحد من التسلح.. نووياً كان أم تقليدياً.. أصبح قراراً لا تملكه القيادات السياسية وحدها!! فأربعة عقود من التصنيع الحربي.. والتجارب التي كلفت بلايين الدولارات قد خلفت وراءها مجتمعات ودول يشكل السلاح عائداً ودخلاً لا يمكن الاستغناء عنه!! والحديث الآن عن الاستفادة سلمياً من السلاح النووي.. وذلك في التطبيب.. وفي بعض الصناعات التي تدفع بعجلة التنمية والإنتاج إلى مضاعفة عطائها!! هو بلا شك حديث للاستهلاك الغربي الصناعي.. والذي أنشأ بالفعل مجتمعات صناعية تستطيع الاستفادة من أي طاقة إضافية قد تضاعف من إنتاجها! أما في دول العالم الثالث.. حيث لا تعمل بأساليب بدائية بعيدة كل البعد عن التحديث ناهيك عن التكنولوجيا… فإن الحديث عن الاستخدام السلمي لتكنولوجيا الحرب.. يعتبر كالدعابة!! خاصة بعد أن أصبح “الكلاشنكوف” والسلاح.. أهم من رغيف الخبز في أدغال السودان.. وصحاري الصومال.. حيث تدور رحى الحروب الأهلية.. وحيث البقاء لمن تصل يده إلى الزناد أولاً.. وفوق جبال أفغانستان.. ويوغوسلافيا السابقة.. حيث تنشط عملية تهريب السلاح.. وتتفوق مافيا صناعة الموت.. التي ازدهرت مع الحرب الباردة.. وإن كانت لم تمت بموتها!!

