شئون دولية

العدل أساس السلم

العدل أساس السلم

لعل من أكثر ما يميز المراحل الانتقالية في التاريخ البشري هو كونها مثيرة للجدل الواسع، الذي تتضارب فيه الآراء!! وذلك نظراً لما تجلبه تلك المراحل من تغيرات جذرية تمس عمق القناعات والأيديولوجيات السائدة!! وقد يصمد في فترات الانتقال هذه بعض المتمسكين بما أعلنته من أخلاقيات وبما حملته من أفكار.. إلا أن هؤلاء سرعان ما يجدون أنفسهم ينظرون ويتحدثون في نظريات أصبحت تفتقد إلى واقع تستند إليه أو إلى فرصة تبيح تطبيق ما بحوزتهم من رؤى!!
نحن الآن في واحدة من تلك المراحل الانتقالية، التي يتميز التغير فيها بحدة وجذرية تعصف بمعتقدات كثيرة كانت بحوزتنا!! وجولة واحدة منا بين عناوين الصحف.. تجعلنا ندرك جيداً ذلك الواقع!! فالأردن وإسرائيل وقعا المعاهدة السلمية بينهما! والرئيس الأمريكي حل ضيفاً على سوريا.. يرافقه فريق تلفزيوني إسرائيلي!! وعرفات يهدد “حماس” ويعلنها عدواً له!! والقمة الاقتصادية المقبلة تمهد لشراكة بين العرب وإسرائيل في المسعى الاقتصادي والاجتماعي!! والسلام في المنطقة أصبح الطريق السالك الوحيد!! وكل من يقف عثرة فيه أو حتى ناقداً له، يعد متطرفاً وجب عزله وقتاله!!
لعلَّ أبرز ما يميز المرحلة الحالية أن السلام فيها يأتي فرضاً لا طوعاً!! أو إذا جاز التعبير.. فهو أن السلام والتسوية أصبحا الخيار الوحيد الذي تفرضه معطيات المرحلة الآتية!! فانهيار الصف العربي.. وانقضاء الحرب الباردة. وتطور تكنولوجيا الحرب.. وثورة الديمقراطية وحقوق الإنسان.. كلها أمور تتطلب إعادة نظر.. وصياغة جديدة لمعاول الصراع القائم في العالم كله.. لا في منطقة الشرق الأوسط وحسب!!
لا شك أن أولى لبنات السلام والتسوية.. هي في اقتسام المنفعة والمصلحة!! أي بمعنى آخر إتاحة العدل والعدالة ليصبحا الحكم والميزان حتى تتمكن أية محاولة للتسوية من البقاء والاستمرار!! وتلك أمور يفرضها المنطق أولاً.. وتجربة التاريخ ثانياً!! فمنطق السلام يقول بالعدالة أساساً له.. وتجربة التاريخ تقف شاهداً عادلاً على محاولات تسوية وسلام لم تتجاوز للعقد أو العقدين من الزمان.. حين تأرجحت كفة ميزان العدل فيها وخرج عن استقامته المعهودة!!
وعلى الرغم من صعوبة العدل أحياناً.. خاصة ما يتعلق منه بالعدل في تسوية الصراعات السياسية والعسكرية.. إلا أن تلك التسويات تصبح أكثر صموداً واستمراراً.. كلما تقاربت فيها كفتا الميزان!!
بمعنى آخر.. أن لا تكون كفة اختطاف ومقتل الجندي الإسرائيلي أثقل وزناً وأعظم أثراً من اقتناص المصلين الآمنين في حرم المسجد الإبراهيمي!!
وأن تهز (مأساة) اختطاف الجندي الإسرائيلي الضمير العالمي.. وتطغى مفاوضات إطلاق سراحه على مفاوضات السلام.. بينما يقبع المختطفون مثل الشيخ “عبيد” والشيخ “الديراني” وآخرين غيرهما دون أدنى تحرك دولي أو حتى استنكار رسمي!!
لقد أفرز اللاعدل في تسوية الصراعات من قبل وحوشاً كاسرة وإرهاباً كبد البشرية ملايين الأرواح والأموال.. فأفرز ارتجال السلم فيما بين الحربين الأولى والثانية، أباطرة الإرهاب والدمار البشري.. وبحيث جاءت معاهدة “فرساي” اللاعادلة في توزيع تبعات الحرب الأولى لتكون مبرراً للزعيم النازي “هتلر” يعبر من خلاله عن رفضه للاعدل في صنع السلم الذي جعل من ألمانيا.. المسؤول الأول عن مآسي حرب الجميع!!
قد لا تكون من قبيل الصدف أن تغلق محاولات صنع السلام آفاقاً جديدة للصراع!! فأصحاب الحق كانوا بلا أرض وأصبحوا بفضل السلام سجناء أرض!! والصراع العربي – الإسرائيلي أصبح صراعاً عربياً – عربياً، بعد أن فتحت كلا الجبهتين الأردنية والفلسطينية ميزانها.. إثر التقسيم الإداري للقدس في ما بين المفتيين الفلسطيني والأردني!!
وإذا كان السلام بلا عدل يعد سلاماً منقوصاً!! فإن السلام من منطلق الضعف يبدو كالسلاح كاتم الصوت!! والتفاوت الشاسع في ميزان القوة، والذي يؤهل لأحد الطرفين أن يسحق الآخر، لا يعتبر مناخاً ملائماً لإحلال السلم وتأصيله!!
لا أحد يرفض السلم كما لا أحد يتمنى الحرب!! لكن سلام الهدنة غالباً ما يضمر في جنباته صراعات أكثر شراسة!! تستنزف فيها مقومات الحياة البشرية من خلال الإعداد للجولات المقبلة، طمعاً في سلام حقيقي.. تتساوى فيه القوى المتصارعة.. ويطبق العدل من منطلق قوة.. لا ضعف ووهن!!
لقد شاركت الطبيعة على ما يبدو خلال احتفالات التوقيع الإسرائيلي – الأردني، شاركت الكثير في شكوكهم في عدالة السلام المقبل!! فتناثرت ذرات الغبار.. المتطايرة من مقابر الشهداء معلنة رفضها للثمن البخس الذي جرت فيه مقايضة رفاقهم!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى