سعلت أمريكا فأصاب بريطانيا البرد

سعلت أمريكا فأصاب بريطانيا البرد
في أعقاب التظاهرات السلمية الصاخبة في ما يقارب الـ 60 دولة في العالم، هذه التظاهرات التي تطالب بعدم شن حرب على العراق، يتساءل البعض حول احتمال انقسام العالم سياسياً بسبب الأزمة في العراق وعما إذا كان لمثل هذه التظاهرة السلمية العالمية أثر في القرارات السياسية في الدول المعنية.
بداية نود أن نذكر بأن تظاهرات كهذه لم تشكل من قبل ضغطاً يذكر على القرارات السياسية، فلقد سبق وأن خرج الأمريكيون إلى الشوارع في تظاهرات احتجاج على الحرب في فيتنام، ومن بعدهم خرج الإنكليز في تظاهرات مشابهة ضد الحرب في “الفوكلاند”، ولم تثن تلك التظاهرات أهل السياسة عن المضي في برامجهم وخططهم، وهو أمر يثير تساؤلاً حول حقيقة دور جماعات الضغط من هيئات ومؤسسات مدنية وشعبية في دول يفترض أن تكون دولاً ديمقراطية ومؤسساتية كالولايات المتحدة وبريطانيا، في إعادة تشكيل وكتابة القرارات السياسية.
وإذا كانت مثل هذه التظاهرات تؤكد مدى التلاحم العالمي على المستوى الشعبي، فإن ذلك لا يعني أن هنالك تلاحماً مشابهاً على المستوى الرسمي والقيادي، بدليل ذلك الانقسام الكبير الذي نشأ بين المعسكر الأمريكي من جهة، والأوروبي من جهة أخرى لما يتعلق بالحرب المحتملة على العراق، فبينما تصر الولايات المتحدة وبريطانيا على الحسم العسكري، ترى فرنسا وألمانيا ضرورة إعطاء مهلة أطول للمفتشين الدوليين باتجاه المخرج السلمي للأزمة.
هنالك أكثر من تفسير لهذا الانقسام، أو بالأحرى لتفسير الموقفين الفرنسي والألماني من مسألة الحسم العسكري للقضية العراقية، أحدها يقول إن فرنسا وألمانيا متورطتان في عمليات سرية لإعادة تأهيل الآلة العسكرية العراقية في أعقاب حرب عام 1991، وإنهما بذلك قد خالفتا القرار الدولي الصادر عن الأمم المتحدة والداعي إلى نزع أسلحة النظام العراقي، ولم تخل تلك العمليات السرية من مساعدات تكنولوجية ومواد خام تؤهل العراق للمضي في برامجه لإنتاج الأسلحة غير التقليدية، بما فيها الكيماوية والجرثومية، وغيرها.
وإذا كان ذلك صحيحاً فإنه سيشكل بالنسبة لهاتين الدولتين فضيحة سياسية أخلاقية ستضاعف من وقع تهم نسبت إلى هاتين الدولتين تتعلق بإيواء الإرهابيين، وكما أسفرت عن ذلك تحقيقات كارثة الحادي عشر من سبتمبر.
تفسير آخر، وهو التفسير الأكثر رواجاً، يقول إن أوروبا بشكل عام أصبحت رافضة، رسمياً وشعبياً لذلك الانقياد التام للقيادة الأمريكية والذي جرد القارة الأوروبية من فرصتها بأن يكون لها موقع قدم واضح وصلب في السياسة الدولية.
لذا فإن رضوخ فرنسا وألمانيا الآن للمطالب الأمريكية المتعلقة بأسلوب التعامل مع الأزمة العراقية سيعني أن المعسكر الأوروبي قد أذعن لهذا الواقع ورضي أن يكون راكباً في العربة الأمريكية، بعد أن كان يمسك مقود التحكم في عربة الحضارة والشؤون البشرية.
الاتفاق الذي توصل إليه قادة الاتحاد الأوروبي في ختام قمتهم الطارئة في بروكسل لا يعدو عن كونه اتفاقاً ظاهرياً يتعامل مع ملف واحد وهو الملف العراقي، لكن القضية الأساسية التي أثارها اختلاف ألمانيا وفرنسا وبلجيكا مع الولايات المتحدة لما يتعلق بالحرب ضد العراق، سترمي بظلالها على ملفات سياسية مستقبلية كثيرة، قد يكون أهمها على الإطلاق الملف الإسرائيلي – الفلسطيني.
لقد جاء الاختلاف الأوروبي – الأمريكي حول المسألة العراقية ليترجم حجم الاستياء الرسمي والشعبي داخل أوروبا لذلك الانصياع التام للإرادة والإدارة الأمريكية، حتى لقد أطلق البعض نكتة سياسية تعكس هذا الوضع، تقول النكتة: “إذا ما سعلت الولايات المتحدة، فإن بريطانيا سرعان ما تصاب بالبرد”، في إشارة إلى تضاؤل أهمية بريطانيا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية.
خلاصة القول هنا إن التظاهرات الصاخبة والرافضة للحرب التي اجتاحت أوروبا سيكون تأثيرها وقتياً، ومثلما قلمت الولايات المتحدة المخالب الألمانية والفرنسية، فإنها حتماً ستتعامل بالأسلوب نفسه مع جنوح الشعوب الأوروبية نحو السلام، خاصة أن الحرب ضد العراق أصبحت الآن جزءاً من الأمن القومي الأمريكي، أو من السعال الأمريكي الذي أصاب أوروبا بالبرد.
