شئون دولية

الخيط الرفيع الفاصل.. بين الهيمنة والسيادة!!

الخيط الرفيع الفاصل.. بين الهيمنة والسيادة!!

على الرغم من الصفة الدولية التي تحملها الأمم المتحدة.. والتي ولا شك تتصف بها كل القرارات الصادرة عن هذه المنظمة.. إلا أن ظروف النظام العالمي الجديد.. أحادي القطبية.. أصبحت تدفع البعض إلى طرح تساؤلات حرجة.. حول مفهوم السيادة!! وبالتحديد عن الخيط الرفيع الفاصل بين السيادة كمفهوم وحق.. وبين شرعية وحقوق التدخل لأي سبب كان.
فمن ظروف واتفاقيات السلام في الشرق الأوسط.. إلى الإصرار الأمريكي على حسم الخلاف مع قائد الجيش في “هاييتي“. والتأكيد على وجوب إعادة الرئيس المنتخب “أريستيد” إلى سدة الحكم في هاييتي.
ولا تفوتنا بالطبع هنا الإشارة إلى تمسك الأمم المتحدة بتكثيف الحصار على “ليبيا” في قضية تسليم مواطنيها المتهمين بتفجير طائرة الـ”بان أم” “Pan Am” فوق “لوكربي”. كذلك إلى الدور الأمريكي البارز في الصراع الدائر في الصومال بين الرئيس الصومالي المؤقت “مهدي محمد”.. وبين زعيم التحالف الوطني الصومالي “محمد فارح عيديد”.. والذي زالت نقمة المجتمع الدولي عنه مؤخراً.. وتم نقله معززاً في طائرة أمريكية!! بين كل هذه القضايا تبرز بين الحين والآخر تساؤلات حول الخطوط الفاصلة بين الهيمنة والسيادة!! لا شك أن عمليات الإسعاف أو النجدة الدولية هي أكثر من أن تحصى.. خاصة في أعقاب انتهاء الحرب الباردة. فمن البوسنة.. إلى العراق والصومال.. وإلى ليبيا وهاييتي وكشمير والسودان.. وعلى الرغم من أن أسباب ودوافع التدخل الدولي.. أو كما يُسمى في المصطلح الأمريكي (التورّط). على الرغم من كون الأسباب مختلفة.. إلا أنها تلتقي في نقطة مشتركة.. وهي مدى مشروعية التدخل.. وبصرف النظر عن كل محاولات التبرير والحجة التي يسوقها المجتمع الدولي.. بالقيادة الأمريكية.
لقد كانت الحجة القديمة القائمة لتبرير دوافع التدخل في شؤون دولة أخرى؛ حجة ذات منبع (دفاعي)، تدعمها ظروف سياسة الاحتواء للمعسكر الشيوعي إبان الحرب الباردة.. ولقد دفعت الولايات المتحدة في سبيل تلك السياسة الكثير من أبنائها وأموالها.. في حروب لا تزال انعكاساتها الاجتماعية قائمة حتى لقد أصبحت جزءاً من التراث والواقع الأمريكي.. ونعني بذلك طبعاً الانتحار الأمريكي في أدغال (فيتنام).
ومما لا شك فيه أن روح الصراع القائم إبان الحرب الباردة.. وأهمية توازن القوى الكفيل بردع واحتواء الصراع المباشر بين القوتين الأعظم.. هو الذي مكن الولايات المتحدة من تبرير تدخلها في فيتنام.
الآن وبعد انتهاء النزاع البارد.. وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم.. تراجعت أدوات الصراع. ولم يتبدل الصراع ذاته، وحدها جدلية السيادة والهيمنة أو التدخل بقيت عالقة. خاصة وأن مبررات التدخل في شؤون الدول.. أصبحت لها مبرراتها الحديثة.. وبحيث أصبحت مسألة حقوق الإنسان.. والحفاظ على حقوق الأقليات.. وحماية الشعوب من حكوماتها المتسلطة والمتعسفة.. أصبحت تلك هي المبررات القائمة الآن في قضايا تدخل عديدة.
فالولايات المتحدة استناداً إلى الأمم المتحدة تبعث بتهديدها إلى السودان بالعقاب لانتهاكه حقوق السكان الآمنين.. والمجتمع الدولي، يجزئ العراق لانتهاكه حقوق الأكراد والجماعات الإثنية فيه.. ويُصدر أوامره بعزل شمالي البلاد عن وسطها وجنوبيها.. على الرغم من أن ذلك كله لم ينعكس إيجاباً على حقوق الفرد وأمنه واستقراره بوجه عام. حتى مع انقضاء ما يزيد على الثلاثة أعوام على تجزئته.
إن التمسّح بحجة الحفاظ على حقوق الإنسان.. كتبرير للتدخل في شؤون الدول الداخلية.. لا يزال هو المنطق الأضعف.. خاصة وأن تفاقم صراعات في مناطق أخرى من العالم.. يفوق فيها انتهاك إنسانية المواطن كل تصوّر وخيال.. ما زالت مستمرة تحت سمع وبصر العالم.
وكما كانت حقوق الإنسان.. مُبرراً للتدخل.. فقد كان ولا يزال تشابك المصالح أكثر المبررات عنفاً وضراوة في التصدي والحفاظ على تأمين مبررات التدخل.
ولعلّ قضية تشابك المصالح. ومدى الحق في تأمينها هي الأكثر جدلية بين الأفراد والحكومات كذلك.. ولعلنا كمواطنين في هذا الوطن الصغير. نعي جيداً ونُقر بمبررات التدخل التي تفرضها مسألة تشابك المصالح بل ونرفض بشدة الإقرار أو حتى الالتفات إلى ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين مفهومي السيادة والهيمنة.
بينما يختلف التفسير تماماً بحسب المنطق العراقي.. والذي يرى أن حرب الخليج الثانية تعتبر تدخلاً سافراً وهيمنة مؤكدة تُضر بأمنه القومي.. وبسيادته كدولة.
لعلّ من أكثر مُثيرات الجدل حول حق التدخل ومفهوم السيادة ما تعود أسبابه إلى عوامل جوار وحدود مشتركة.. وما قد يُثيره تدخل دولة ما في شؤون أخرى تشاركها حدوداً جغرافية!! وتحت هذا العنوان من عناوين جدلية التدخل والسيادة.. تكمن خلافات عربية – عربية كثيرة.. خاصة في ظل تباين أنظمة الحكم العربية.. ولعلنا في هذا الوطن قد لمسنا المحاولات المستمرة لتقليص الروح الديمقراطية.. بفعل ضغوط خارجية فيما قبل كارثة غزو الوطن.. كذلك عشنا مأزق الحرب العراقية – الإيرانية.. وما أملته قضايا الجوار الجغرافي من تبدّل في أولويات سياسة الوطن الخارجية كما الداخلية.. ولا ننسى بالطبع هنا مأساة النزاع اللبناني السوري.. الشاهد الأكبر على جدلية مسألة التدخل والسيادة!! مما لا شك فيه أن قضية التدخل والسيادة.. ستبقى قضية عالقة.. وسيبقى الفصل وتحديد الهوية فيها.. أمراً يملك الأقوى زمامه دائماً.. وستبقى الشعوب الضعيفة والأنظمة الهرمة. قابعة خلف الخيط الرفيع الفاصل بين الهيمنة والسيادة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى