شئون دولية

الحروب بين المرتزقة والفروسية

الحروب بين المرتزقة والفروسية

في روايته “كتيبة سوداء”، يتناول الروائي المصري محمد المنسي قنديل أحداثاً امتدت بين 1863 و1867، وهي أعوام حفلت بالكثير من المتغيرات على الصعيد العالمي، حيث شهدت تلك الحقبة اتفاقاً بين الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث مع الخديوي سعيد، حاكم مصر آنذاك، على نقل مئات المقاتلين السود إلى المكسيك، مُسلّطاً الضوء في هذا العمل الروائي على الجيوش المرتزقة، التي تم استخدامها في أكثر من حقبة من التاريخ.
غالباً ما يُطلَق اسم المرتزقة على من يخدم في القوات المسلحة لبلد أجنبي مقابل المال، وقد شاع استخدام المرتزقة في الحروب في الفترة من القرن الثاني عشر حتى القرن السادس عشر للميلاد، حيث استعان الكثير من الحكام بجنود محترفين لحمايتهم، إضافة إلى قيام بعضهم بتأجير جيوشهم لدول أخرى.
قد تكون مثل هذه الحالة قد فترت بعض الشيء في أزمنة الثورات التنويرية والتحرّرية، حيث تغلّبت مشاعر الوطنية والانتماءات الأخرى، مثل الانتماء للأرض، والمبادئ السامية كالحرية والمساواة والعدالة، على نزعة التكسّب من وراء خوض الحروب، فأصبحت معها الجيوش تخوض حروبها دفاعاً عن أرضها وعرضها ومالها وشعبها ومبادئها ووجودها.
اليوم أصبحت جيوش المرتزقة هي من تقود المعارك في أغلب بقع النزاعات والحروب، وأصبح القتال في هذه الحروب مهنة لها سلّم رواتب مُعتَمَد، تتفاوت قيمتها وعائدها المالي بحسب حساسية الدول ودورها الإقليمي والدولي، بل أصبحت معها أغلب الأنظمة السياسية في الدول، التي تشهد قلاقل وصراعات، تلجأ إلى خَلق جيش موازٍ للجيش النظامي، يؤمّن لها الحماية في حالات الخطر، ويتعامل مع مستجدات جديدة قد تطرأ على ساحات المعارك، حدث ذلك في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حين ظهر “داعش” كقوة عسكرية مموّلة جيداً، وبشكل استطاع معه مواجهة الجيش العراقي النظامي، ثم استعان المكوّن الشيعي في العراق بالحشد الشعبي، الذي كان له دور فعال مع الجيش العراقي والقوات الدولية لمواجهة جيش داعش.
في السودان حدث أمر مشابه إبان الأزمة في دارفور، حيث احتاجت الدولة إلى من يساعد الجيش في حربه ضد المتمردين من القبائل، فعملت على تسليح قوات بقيادة محمد حمدان دقلو، الشهير بحميدتي، ومكّنته من تكوين ميليشيات باسم “الجنجويد”، قبل أن يقوم الرئيس السوداني السابق عمر البشير بتقنينها وإطلاق اسم “قوات الدعم السريع” عليها، بحيث تمدّد نفوذ هذه القوات وأصبحت رقماً مهماً في صراعات وحروب أخرى في المنطقة، كاليمن وليبيا.
لم تعد الاستعانة بالمرتزقة في الحروب مسألة خافية أو أمراً سرياً، فها هو الرئيس الروسي يُعلن أن قوات “فاغنر” تعمل نيابة عن الحكومة الروسية في حربها مع أوكرانيا، هذه القوات التي لا تُنكر صفتها، بل على العكس، فهي تعلن مراراً عن تجنيدها لمرتزقة من العرب للقتال في أوكرانيا، وأنها نفّذت عمليات في ليبيا وسوريا ومالي والسودان وموزمبيق وجمهورية أفريقيا الوسطى، هذا إضافة إلى ما تقدّمه مجموعة فاغنر من خدمات للسياسيين والدول في جميع أنحاء العالم النامي، فهي تتفاوض بشأن مبيعات الأسلحة وأعمال الصيانة العسكرية، إضافة إلى أعمال استخباراتية وأمنية.
حين تفكّك الاتحاد السوفيتي وسقط جدار برلين، تصوّر العالم أنه مقبل على حقبة نظام عالمي جديد يكون عنوانه السلام، فإذا به يدخل حقبة حروب مختلفة، بعضها ضد الإرهاب، وبعضها الآخر بعنوان البحث عن أسلحة الدمار الشامل، حروب بمسميات كثيرة، ولكنها أصبحت تشترك في صفة واحدة، فهي كلها حروب مرتزقة، غابت عنها نزعة الفروسية، التي تحمل في طياتها صفات الشجاعة والتضحية والدفاع عن الأوطان، ولم يعد المقاتل مواطناً شهماً جاهزاً للدفاع عن حقه، بل مرتزقاً يجني راتباً مغرياً من وراء ما يُسقط من قنابل وما يُطلق من قذائف، وتبعاً لذلك ازدهرت ظاهرة المرتزقة، وأصبحت مهنة مع تحوّل الحروب الحديثة إلى حروب بالوكالة، استدعت الدول المعنيّة إلى تحديث وسائلها واستئجار مرتزقة ليخوضوا حروبها الممتدة.
لا فروسية ولا شجاعة إذاً في الحروب الحديثة، بل عملية استئجار للقوة والمهارة البدنية يمارسها الأقوى ضد الأضعف، في عملية توازن للرعب والعنف والقتل، تدعمها آلة عسكرية مخيفة، ويقودها مرتزقة من كل الأطياف، والعوائد المالية، ويسقط معها آلاف الأبرياء.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى