شئون خليجية

تضاريس خليجية

[جريدة القبس 12/1/1998]

صدر مؤخراً عن الأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية النشرة الاقتصادية التي استعرضت اتجاهات النمو الاقتصادي لدول المنطقة، مرفقة بإحصاءات عن التطورات المالية والنقدية، وبتحليل للمستجدات والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، وذلك عن السنوات العشر الأخيرة.
النشرة أفردت تفاصيل كثيرة عن خطط دول المجلس لتحقيق معدلات عالية من مستويات الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، ولتطوير برامج ومشاريع التنمية لشعوب المنطقة، ولقد جاء في سياق ذلك ذكر أرقام لحقيقة البناء السكاني لدول المجلس لعام 1996، حيث بلغ إجمالي عدد السكان فيها نحو 26.5 مليون نسمة بمعدل نمو 3 بالمائة. بينما بلغ إجمالي العمالة نحو 5.48 ملايين عامل بمعدل نمو قدره 1.04 بالمائة!!
وتلك بلا شك إحصائية وأرقام مخيفة، تقودنا إلى تكهنات وتصورات مستقبلية رمادية الروح والجوهر!! بالإضافة إلى أن نسبة العمالة إلى السكان في دول الخليج لا تبشر بخير!! كذلك تعيق تلك النسبة الشاذة كل خطط التنمية والبناء المستقبلي!!
إن جانباً كبيراً من الشُح السكاني والتباين في التركيبة السكانية لدى دول الخليج يعود لأسباب تتعلق مباشرة بذلك الانفجار المالي والاقتصادي، الذي أخفق التكاثر البشري المعتاد أن يلحق به، وينسق معه!! وهو انفجار خلق من منطقة الخليج بوجه عام محطات استقطاب للعمالة على اختلاف مؤهلاتها، وإمكاناتها وباختلاف جنسياتها وأجناسها!! غير أن ذلك التدفق العمالي والمهني، لم يصحبه أي تخطيط أو رسم مستقبلي مدروس، للتعامل مع ما تشكله عادة ظاهرة كهذه على أي مجتمع بشري!!
إن دول الخليج، وبلا استثناء، أصبحت تعتمد اعتماداً شبه كلي على العمالة الأجنبية غير الوطنية، في إدارة وتشغيل الكثير من المرافق الرئيسية والهامة، وبصورة قد تؤدي إلى شلل كامل في تلك المرافق، إذا ما حدث وانسحبت لأي سبب من الأسباب تلك اليد العاملة، أو إلى تدني وتراجع في أداء المرافق ذاتها، وكما حدث معنا في هذا الوطن، حين فرضت علينا ظروف المناخ السياسي بعد مأساة الغزو، التخلي عن اليد العاملة الفلسطينية، والتي كانت عصب الحركة والأداء في بعض المرافق الحيوية، كالتعليم والتطبيب، مما أدى إلى تراجع كبير في أداء هذين الحقلين!! ولم تفلح جهود القائمين على التعليم والصحة لتلافي ذلك المأزق!! كذلك بلغت درجة الاعتماد على العمالة غير الوطنية أقصاها في بعض دول الخليج، حين أصبحت تعتمد عليها في بناء جهازها الأمني، من جيش وشرطة!! وأيضاً تجاوزت دول خليجية أخرى شروط التحول الصناعي، فخلقت (حلماً) صناعياً قائماً بأكمله على جهود وأيدي تلك العمالة، وأقامت مصانع وصناعات تقتصر المساهمة الوطنية فيها على (جهد) رأس المال فقط!!
قد لن يكون بإمكان دول الخليج، ولفترة زمنية طويلة، أن تتخلى عن تلك العمالة. فالامتداد العمراني، والتوسع الاقتصادي وأعباء إدارة تلك الثروات واستثمارها ستبقى دائماً بحاجة إلى المزيد من الجهود والأيدي والعقول، وإن كان بإمكان الدول الخليجية أن تتعامل مع حاجتها الملحة لهذه العمالة بصورة تضمن معها عائداً مستقبلياً إيجابياً!! فنحن كدول خليجية لا نفتقد اليد العاملة المنتجة وحسب، بل نفتقد الكثافة السكانية بوجه عام، وهي مشكلة قد واجهتها مجتمعات أخرى قبلنا، استطاعت أن تخلق امتداداً سكانياً من خلال سياستها المدروسة لتوطين واحتضان ما تستورد من عمالة ويد عاملة!!
لا شك أن الجغرافيا السكانية لدول الخليج تحوي من الأخطاء ما أصبح طاغياً على أي مخطط مستقبلي.
فعلى الرغم من إحصائيات مشابهة لنشرة الأمانة العامة لدول مجلس التعاون، والتي جاء ذكرها في البداية، إلا أن الصورة النهائية لتضاريس التركيبة السكانية الخليجية لا تزال معتمة وغير محددة، وبانتظار القرار الجريء الذي سيعيد رسم جغرافية الخليج السكانية، بصورة تضمن لدول الخليج تضاريس سكانية ثابتة وناضجة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى