
تطور ولا شك مفهوم الأمن الخليجي عما كان عليه منذ عقد أو عقدين، لكن هذا التطور لم يواكبه، وبكل أسف، تطور مشابه في الرؤية والاستراتيجية المطلوبتين لتحقيق مثل هذا الأمن.
كان الخليج من قبل مستهدفاً من قِبل البرتغاليين والهولنديين والإنكليز، لتأمين خطوط التجارة ومسارها بين الغرب والشرق، ثم أصبح حلبة صراع المتنافسين على النفط.. ونظراً لشراسة هذا الصراع، بدأ مفهوم ومفردة أمن الخليج في اقتحام المنتديات والحوارات السياسية، في محاولة لتدجين هذا الصراع وصياغة مسميات له.
مفهوم الأمن مطاطي، صعب التحديد، فقد تُثير إجراءات أمنية في دولة ما مخاطر وخوفاً لدى دولة أخرى، ثم إن مسألة الأمن ارتبطت بكونها واقياً من التهديد الخارجي، عسكرياً كان أم فكرياً، وبصورة أغفلت أهمية الأمن الداخلي، وارتباطه الوثيق بمسألة الأمن بشكل عام.
تمَّت صياغة أكثر من مفهوم للأمن الخليجي، لكن واحدة منها لم تتحقق، بل ولم تلامس أسس وشروط الأمن الحقيقية، بل إن أغلبها كان امتداداً لصراعات إقليمية ودولية، وخير شاهد على ذلك مجلس التعاون الخليجي، الذي كان يسعى لوضع صيغة أمنية خليجية وجيش موحد كانت بدايته فاشلة في «درع الجزيرة».. مجلس التعاون جاء كردة فعل مباشرة على التوتر الإقليمي الذي سببته الثورة الإيرانية، ومن بعدها الحرب العراقية – الإيرانية.
منذ فجر السبعينيات ومحاولات فرض صيغة محددة وثابتة للأمن الخليجي تفشل، فلا حرية الملاحة تحققت، ولا حرية التجارة هي الأخرى تحققت، ولا معاهدات التعاون المشترك حققت شيئاً، ولا تبادل الموارد البشرية أسفر عن نتائج، وكل هذا صدرت بصدده محاولات واجتماعات باء أغلبها بالفشل، لأن الأمن، بمفهومه الشامل والحقيقي والمجرد، لم يكن ضمن أي مما طُرح في تلك المعاهدات والمناظرات.
المحزن في حوار دول الخليج حول أمنهم أن أحداً لا يتطرَّق إلى الديمقراطية والحريات كروافد أساسية لتحقيق الأمن، فكلاهما – وبكل أسف- لا يزال يشكل مصدر هلع وخوف عند أغلب الأنظمة في الخليج.. وبالتالي، فإن الديمقراطية والحرية بالنسبة لهؤلاء تتناقض مع مفهوم الأمن ولا تدعمه.
العلاقة بين الأمن والديمقراطية أكدها التاريخ ويؤكدها الحاضر، فلا أمن من دون ديمقراطية، كما أنه لا ديمقراطية من دون أمن، ويكون هنا للأجهزة الأمنية الحق في التدخل فقط في حال تجاوزت جهة ما الإطار الدستوري والقانوني المنظم لهذه الممارسة الديمقراطية.
لقد تبدَّل وتغيَّر مفهوم الأمن عما كان عليه في الماضي، وأصبح الأمن لا يعني فقط أمناً جسدياً، وإنما أصبح يشمل الأمن الاجتماعي والفكري والسياسي والاقتصادي، بل وحتى الإلكتروني، ولم تعد الحروب والأسلحة مصدر التهديد الوحيد لأمن الإنسان، ولم يعد المشرب والمأكل والملبس هي فقط ما يحقق للإنسان الإحساس بالأمن، بل أصبح للكرامة جزءاً من هذا الإحساس، كما أن للحقوق الفردية جانبا مهما منه، وللديمقراطية والحريات كذلك.. وعندما يأمن المواطن الخليجي على كل ما سبق، عندها فقط يتحقق الأمن الخليجي.
الطليعة 2014/3/5



