الجسد المؤلم

الجسد المؤلم
سنأخذ اليوم إجازة من عالم السياسة وحروبها وصراعاتها وتحليلاتها، لنتحدث عن عالم أكثر إيجابية وأملاً، عن واحد من أشهر المعلمين الروحانيين الذين أثروا في الفلسفة والفكر الروحاني المعاصر، وحيث استطاع أن يزاوج بمهارة بين روح العصر الجديد وإيقاعه السريع، وبين التمتع بيقظة واستنارة، وصفاء روحي يقهر متاعب الحياة ونمطها المفعم بمادية العصر الحديث!
إيكهارت تولي Eckhart Tolle، الذي تم تصنيفه، كأشهر الكتّاب في مجال الارتقاء الروحاني، كانت له تجربته الفريدة التي أيقظت فيه شعلة الاستنارة، ليؤكد من خلال تلك التجربة أن اللحظات الصعبة في الحياة هي التي تحفز الاستنارة واليقظة! فقد كان “إيكهارت” شخصاً مكتئباً على شفى الانتحار، عاطلاً عن العمل، ومتسكعاً في دروب الحياة الصعبة يبحث عن خلاص حتى وإن كان في الموت، إلى أن أدركته استنارة حولت حياته، وهو في التاسعة والعشرين من العمر، إلى حياة مفعمة بالراحة النفسية النابعة من يقين داخلي! أراد أن يُشرك غيره تجربته الرائعة تلك، فكتب كتابه الشهير The Power of now وأعقبه بكتاب آخر لا يقل شهرة عن سابقه بعنوان A New Earth. يُنسب لإيكهارت تولي إثارته وبشكل واسع، خاصة إعلامياً، وحيث ظهر في لقاء مطول مع مقدمة البرامج الشهيرة أوبرا وينفري، لمسألة “الجسد المؤلم” أو The Pain body الذي يصفه بأنه مجموعة المعاناة والآلام والمشاعر السلبية التي تستخدمها “الأنا” أو The Ego للسيطرة على الروح النقية للإنسان، وذلك من خلال الإفراط في ربط “الأنا” بعالم المادة الذي هو غذاؤها الأول وملاذها الآمن من الفناء!
يطرح “إيكهارت” عدة طرق للتعامل مع “الجسد المؤلم”، أهمها أن يحاول الإنسان أن يفك ارتباطه به، وذلك لكونه مخزن كل المشاعر السلبية من خوف وقلق وكراهية! المشكلة أن الإنسان حين تصدمه مثل هذه المشاعر السلبية دون أن تكون هناك أسباب واضحة، لا يدرك أن مصدرها ذلك المخزن الكبير الذي تقبع فيه كل سلبيات المشاعر، فالجسد المؤلم لا يكون ظاهراً في الوعي، وإنما يحتفظ بمخزونه كله في اللا وعي وهنا تكمن المشكلة!
يحذر “إيكهارت” من محاولة البعض مقاومة هذا الغول الكامن بداخلنا جميعاً، ويرى أن التعرف عليه وبشكل يقلل من ارتباطه بروحك الحقيقية هو الطريق الأسلم لمقاومته! فالوعي بأن المحرك أو الدافع لغضبك أو خوفك أو قلقك هو من مخزون “الجسد المؤلم” كافٍ لترويضه بالشكل الذي يقلل من نفوذه وسيطرته على روحك، وبالتالي مزاجك وسلوكك ونظرتك للأمور بشكل عام!
لا تحكم على تلك المشاعر السلبية، ولا تحاول مقاومتها، فقط تعرف عليها، وتعامل معها كما لو كانت خارجك. قطعاً هي ليست مهمة سهلة، لكن التيقظ والتعرف على مخزون الألم هو الطريق الوحيد، فلقد أدرك “إيكهارت” يوماً أنه ليس هذا “الجسد المؤلم”، فاستطاع أن يفيق ويصبح المعلم المستنير.
