الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

صديقة علمتني الكثير

صديقة علمتني الكثير

من الإنجيل ومن سفر الحكمة قرأت هذه الآية، التي تقول “ليس الموت من صنع الله، ولا هلاك الأحياء يسره، لأنه إنما خلق الجميع للبقاء، فمواليد العالم إنما كَوَّنَتْ مُعَافَاةً، وليس فيها سم مهلك، ولا ولاية للجحيم على الأرض، لأن البِرَّ خَالدٌ، فإن الله خلق الإنسان خالداً، وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم”.
حين تصبح الإرادة أقوى من الموت تكون صديقتي “بانة” مثالاً يحتذى، فهي دون غيرها تذكرني بقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه حين قال “لا تمشِ في طريق الحياة إلا ومعك سوط عزيمتك وإرادتك لتلهب به كل عقبة تعترض طريقك”.
داهمها نوع نادر وخبيث من السرطان وهي في قمة عطائها ورونقها، لكنها داهمته بالمثل بإرادة وعزيمة وحب أثارت دهشة الأطباء من حولها! لم تغادر فرشاتها ولا رسوماتها التي طالما أحبتها وأحبوها، فاستحقت عن جدارة، وهي في رحلة المرض، تقديراً من أحد المتاحف الشهيرة الذي رشحها من بين آلاف الفنانين لدخول مسابقة دولية!
في رحلة الحياة نتعلم أكثر ما نتعلم من أناس نصادفهم، نحبهم، نتأثر بهم، لتبقى فيما بعد بصماتهم لصيقة بتفاصيل حياتنا اليومية!
بانة عبدالرحمن واحدة من تلك العلامات التي تتركها لنا الحياة في رحلتنا معها، ليس معي وحدي، وإنما مع كل من شاء له الحظ أن يعرف بانة، ويتجول بحرية داخل نفسها الشفافة! وأستطيع القول، وأنا بجوارها، في رحلتها مع المرض، إنها لم تهزم السرطان وحسب وإنما هزمت الموت، هزمته بالحب، وواجهت المشاعر السلبية والأفكار السوداء التي عادة ما تصاحب من يصاب بهذا المرض، واجهتها بيقين وإيمان قد يعجز عنهما جهابذة الالتزام الديني اليوم!
يختلف تعامل الناس مع المرض، فهنالك من يُسقطه المرض في فخ الوهم والخوف، وهناك من يشكل المرض لديهم ثقافة تحد تكون معها الحقيقة الوحيدة هي الاستمتاع بالحياة بشتى ألوانها! اختارت بانة الخيار الثاني، فأصبح المرض بآلامه وشحوبه وأدويته النافذة التي أطلت منها على كنة الحياة وحقيقتها.
فأحبت أولادها أكثر، واستمتعت بصحبة أصدقائها بشكل دائم، وبالطبع كان شغفها بالرسم متوهجاً، فأبدعت كما لم تبدع من قبل، وأثمر إبداعها عن لوحات تعكس نفساً صافية ومطمئنة!
تعلمت من بانة عبدالرحمن الصديقة الكثير ولا أزال، ولعلك عزيزي القارئ، وقد عرفت عنها بعض الشيء، تدرك أهمية أن يكون لديك صديقة مثل بانة عبدالرحمن!
توسدت نفسها الرضا، واستقر يقينها عند رحمة الله، ولا نملك إلا أن نتضرع إليه أن يرفع عنها الكرب، وأن تهزم عاصفة المرض!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى