النصب التذكارية

النصب التذكارية
نحن هنا في الكويت نتذكر جيداً تلك الحمى التي ألمت بجيش النظام العراقي، وهو يسعى جاهداً لنشر النصب والصور والمجسمات لطاغية بغداد! لم تتبق ساحة ولا مبنى ولا شارع إلا وانتصب فيه مجسم للطاغية أو صورة عملاقة!
تعتبر ظاهرة نشر النصب والمجسمات والصور بهذه الصورة المفرطة، ظاهرة عربية بحتة، وهي إن وجدت في مجتمعات أخرى، فإنها غالباً ما تكون مجتمعات دكتاتورية أو متخلفة سياسياً! خصوصاً أن انتشار مثل هذه الظاهرة يدل على تقديس غبي وقاصر على أفراد أو أشخاص أكثر من كونه تخليداً لإنجازات أو أعمال وطنية!
عن هذه الظاهرة المبتذلة يقول سمير الخليل في كتابه “النصب التذكارية الفن والابتذال والمسؤولية في العراق” ما يلي: “غريب أمر ذلك النصب الذي ارتفع في بغداد قبل فترة، غريب في شكله وفي حجمه وفي خدمته للغاية المتوخاة منه، إنه قوس نصر مزدوجِ، قوس نصر من نوع جديد لم يشهد التاريخ مثيلاً له”. ينظر سمير الخليل إلى هذا النصب، ولا يكتفي بالسخرية منه كما يفعل الكثيرون في بغداد وفي الخارجِ، ينظر إليه ولا يعتبره مجرد نكتة، فهو بالنسبة إليه مؤشر يساعده على تسليط الضوء على طبيعة الحكم الدكتاتوري، وعلى العلاقة بين الدول المتطورة والدول النامية، أو بالأحرى المتخلفة وعلى استخدامات الفن وقيمته الحقيقية.
في هذا الكتاب يرينا الخليل بنباهة كيف أن النظام الحاكم في العراق قد عرف كيف يقلب التقاليد المحلية والغربية ليتوصل إلى إنتاج توليفة مؤثرة وخليط مذهل. وفي معرض بحثه يعود الخليل إلى فنانين من طراز اندي وارهول وروبرت فينتوري، طارحاً أن تحطيم هذا النوع من الفنانين لهيبة الفن هو الذي فتح الطريق أمام استتباب الابتذال وضروب التعبير السوقية.
“النصب التذكارية” كتاب ينبغي أن يقرأه كل شخص يرى أن للفن قيمة خالدة، ويخشى إساءة استخدام الفن كما ينبغي أن يقرأه كل أولئك الذين يريدون أن يفهموا ما الذي يبقي على الأنظمة التوتاليتارية المتسلطة، وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة التي يفترض بها أن تكون شيئاً آخر!
يأتي نصب “قوس النصر” الذي افتتحه صدام حسين في الثامن من أغسطس عام 1989 كأضخم الأعمال الفنية حجماً في العالم، وهو النصب الذي كان رئيس النظام العراقي قد صممه أولياً بخط يده، وذلك قبل أن ينفذه النحات العراقي خالد الرحال، وتحت إشراف دقيق من قبل رئيس النظام في بغداد! وقد صنع النموذج التمهيدي المصغر من قوالب الجبس التي تمثل ذراعي الرئيس من أعلى المرفق مباشرة، وقد أمسكت كل من قبضتيه سيفاً، ومن مخلفات الحرب جمعت خمسة آلاف خوذة إيرانية أحضرت من ميدان القتال مباشرة، وقسمت إلى مجموعتين متساويتين، وضعت كل منهما في شبكة مهترئة، بحيث تناثرت بعض الخوذ عند نقطتي انبثاق الذراعين من باطن الأرض!
إن أول ما يدور في خلد المتأمل لتلك النصب والمجسمات في العراق، هو سؤال حول مصيرها عندما يحدث الانفراج في العراق، وتزول الغمة ويسقط معها نظام البطش والخوف والعنف، هل سيحطم العراقيون تلك البصمات الصدامية الشؤم؟ أم هل سيبقونها لتذكرهم بماضٍ، عليهم أن يحرصوا جيداً لكي لا يتكرر حضوره في تاريخهم؟
يقول كونراد فيدلر في كتابه: Our visual Works of Visual Arts “إن الفن واقعي على الدوام لأنه يحاول أن يجسد للناس صميم واقعهم والفن دائماً مثالي على الدوام لأن كل واقع يخلفه الفن هو نتاج للذهن”.
إذن هو الواقع العراقي المرير والمخضب بدموية طموحات صدام حسين الدكتاتورية الذي أغرق العراق بمثل تلك النصب والمجسمات، التي سيكون مصيرها التدمير لأنها تحاكي الواقع الخطأ الذي لا مكان له سوى في عقول دائرة صدام حسين الضيقة!
