الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

الآن وهنا

الآن وهنا

لم أستطع أن أطرد ذلك الإحساس البغيض بالخوف الذي تملكني وأنا أتابع بشغف تفاصيل رواية “الآن وهنا” للكاتب والمفكر الروائي عبدالرحمن منيف، ولم تغب لحظة عن عيني صور أبنائي وأهلي وأصدقائي وأنا أرتجف مع تلك الصور المرعبة للسجون السياسية في عالمنا العربي والتي كانت محور الرواية! وأصابني إحساس بأننا جميعاً معرضون لأن نعبر تلك الأغلال والعذابات طالما أن الظلم والسجون وكبت الحريات لاتزال واقعاً ينخر في بنائنا السياسي العربي!
في تقديم بارع لخص الكاتب والأديب العربي سعد الله ونوس ذلك الواقع حين علق على هذه الرواية قائلاً: “حين فرغت من رواية عبدالرحمن منيف الجديدة أحسست حلقي جافاً، وغمرني شعور ذاهل بالعار، كيف نعيش حياتنا اليومية ونساكن هذا الرعب الذي يتربص بنا هنا والآن أي صملاخ بليد يحجب عن أسماعنا الصراخ والأنين، كيف نواصل نومنا كل ليلة! أية ذاكرة مثقوبة تلك التي تتيح لنا أن نتناسى الآلاف الذين يهترئون في السجونهنا؟ والآن! هذا عار يكاد يلامس التواطؤ من خوفنا وغفلتنا وصمتنا يغزل الجلاد سياطه، ومن خوفنا وغفلتنا وصمتنا تغص بنا السجون، تغدو الحياة هنا والآن كابوساً من الجنون والرعب.
إن رواية عبدالرحمن منيف تمزق الصمت وتعلن الفضيحة، هذه الأوطان السجون فضيحة، وهذا التاريخ الشرق أوسطي معتقل يستنقع في الفضيحة ورغم أن الرواية تلاحق هذه الفضيحة بتنوعاتها القطرية، وتعدد مستوياتها، فإنها تتعمد أن تظل قولاً ناقصاً، قولاً لا يكتمل إلا إذا أضاف إليه القارئ موقفاً أو فعلاً، وبين التعرية والتحريض، وبين النمنمة والوعي التاريخي يبني عبدالرحمن منيف رواية ـ شهادة لن نستطيع الاستغناء عنها إذا أردنا أن نعرف الـ “الآن وهنا”، وإذا أردنا أن نغير الـ “هنا والآن أيضاً”.
كعادته في رواياته، لم يسمِ عبدالرحمن منيف دولة ولا نظاماً ولا مكاناً، مما أعطى لأحداث الرواية بلاغة ومصداقية أكثر! فهو يقول من خلال اللامكان واللازمان إن أحداث الرواية قابلة لأن تحدث في كل مكان وكل زمان من أمكنتنا وأزمنتنا العربية! وهو بذلك يكون قد خرج بالرواية من دائرة الرقابة الضيقة، وإن كنا نشك في ذلك أحياناً!
كان من الممكن أن يكون أثر الرواية سطحياً لو أننا في الكويت لم نعش بعضاً من واقعها، فالسجون التي كانت مسرح الرواية هي نسخة طبق الأصل للسجون التي مارس فيها نظام بغداد بطشه وعنفه على شبابنا وشاباتنا، ولا يزال يمارس العنف ذاته وعبر ما يقارب الثلاثة عقود في أرض العراق الحزين! كان من الممكن أن أعتبر الكثير من التفاصيل التي وردت في الرواية أموراً مبالغاً فيها استخدمها الكاتب لترويج كتابه، لو لم أدرك، ومن خلال تجارب شخصية وقريبة، أن عبدالرحمن منيف قد عجز عن نقل صور السجون المفزعة والمقززة في أحيان كثيرة، والتي رواها أولئك (المحظوظون) من الذين قدر لهم ألا يموتوا بين جدرانها وتحت آلات التعذيب فيها!
في محاولة يائسة لتفسير أو تبرير ذلك الكم الهائل من العنف والبطش حاول أحد علماء النفس واسمه “ميلغرام” أن يقوم بدراسة لتفسير ظاهرة العنف النازي إبان الحرب العالمية، وقد كانت نتائج الدراسة أن الضحية تساهم مع الجلاد في خلق ظاهرة العنف! وهو ما عبرت عنه إحدى شخصيات رواية منيف التي نحن بصددها حين قال إننا نحن الذين نخلق الجلادين، ونحن الذين سمحنا باستمرار السجون، لقد فعلنا ذلك من خلال تساهلنا وتنازلنا عن حقوقنا، ومن خلال استسلامنا لمجموعة من الأوهام والأصنام، ثم لما أصبحنا الضحايا لم نعد نعرف كيف نتعامل مع هذه الحالة!
إن السجن ليس فقط الجدران الأربعة، وليس الجلاد فقط أو التعذيب، إنه بالدرجة الأولى: خوف الإنسان ورعبه حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلاد وما يجعل الإنسان سجيناً دائماً! لذلك فإن أولى خطوات الحرية تكون بنزع الخوف من داخلنا، لأننا إذا لم نفعل، فسنبقى سجناء حتى وإن كنا خارج أسوارها! والعالم العربي بأكمله بحاجة ماسة إلى إلغاء ذلك الخوف من قلبه وعقله، عندها فقط تكون الحرية الآن وهنا!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى