الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

عمارة يعقوبيان (2)

عمارة يعقوبيان (2/2)

استعرضت في المقال السابق بعضاً من رواية “عمارة يعقوبيان” للكاتب دكتور الأسنان علاء الأسواني التي تكشف خفايا مجتمع “وسط البلد” في العاصمة المصرية، كما ذكرت إحدى الصحف في تعليقها على الرواية التي يخوض مؤلفها في جميع الممنوعات والمحاذير الاجتماعية ليصل إلى الحقيقة، حيث يصف المؤلف الجنس والشذوذ والفساد والقمع، ويستعرض البناء التحتي لوسط المدينة الذي يتجاهله الجميع وتجري فوقه محاولات التجميل البائسة، ثم يقدم الكاتب مجتمع المهمشين في وسط البلد من ساكني الغرف الحديدية فوق أسطح العمارات الشاهقة، ويكشف عن العلاقات الحميمة لهؤلاء البؤساءِ، وكأنك في “عمارة يعقوبيان”، الرواية التي تقع في نحو 350 صفحة تشاهد فيلماً سينمائياً تستغرق فيه وتنفعل، وفي النهاية تضاء الأنوار وتعود إلى الواقع، تغادر السينما ويلفحك الهواء البارد في الشارع المزدحم بالسيارات والمارة ويأخذ كل شيء حجمه الطبيعي، وتتذكر ما حدث على أنه فيلم انتشلك من الواقع وسرق منك لحظات لكي يبقى في ذاكرتك ربما لسنوات.
الأستاذ محفوظ كان واحداً من الذين لفحهم هواء الرواية البارد، فأيقظ فيهم ذكريات آثارها الكاتب في روايته حين طرح مقارنته بين مصر ما قبل الثورة وما بعدها! وهي مقارنة كانت أحياناً مستترة، وأحياناً كثيرة كانت تضج بالإشارات الواضحة والمباشرة إلى مسؤولية ثورة يوليو الناصرية عما تشهده مصر من تدهور على كل المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
كان أكثر تلك الحوارات صراحة ومباشرة ما جاء على لسان زكي الدسوقي الابن الأصغر لعبدالعال باشا الدسوقي القطب الوفدي المعروف وواحد من كبار أثرياء ما قبل الثورة حين يقول: “أنا عشت أياماً جميلة يا بثينة زمن تاني”، مصر كانت زي أوروبا نظافة وأناقة والناس مؤدبة ومحترمة ولا أحد يتجاوز حدوده أبداً، أنا نفسي كنت حاجة ثانية، كان لي وضعي وعندي فلوس وكل أصحابي من مستوى معين وعندي أماكن مخصوصة أسهر فيها نادي السيارات وكلوب محمد علي ونادي الجزيرة، كانت أيام كل ليلة ضحك وسهر وشرب وغنا ومصر كان فيها أجانب كثير، معظم السكان في وسط البلد كانوا أجانب لغاية لما عبدالناصر طردهم سنة 56″.
ثم يواصل زكي (نقده) للثورة قائلاً: “عبدالناصر أسوأ حاكم في تاريخ مصر كله، ضيع البلد وجاب لنا الهزيمة والفقر التخريب، اللي عمله في الشخصية المصرية محتاج سنين طويلة لإصلاحه، عبدالناصر علم المصريين الجبن والانتهازية والنفاق”.
وحين سألت بثينة “امال ليه الناس بتحبه؟” أجابها زكي بانفعال: “اللي يحب عبدالناصر إما جاهل أو مستفيد، الضباط الأحرار كانوا مجموعة عيال من حثالة المجتمع معدمين أولاد معدمين، والنحاس باشا كان رجل طيب وقلبه على الفقراء، فسمح لهم بدخول الكلية الحربية، وكانت النتيجة أنهم عملوا انقلاب 52، حكموا مصر وسرقوها ونهبوها، وعملوا ملايين، طبعاً لازم يحبوا عبدالناصر لأنه رئيس العصابة” انتهى.
نعود إلى الأستاذ محفوظ وذكرياته التي أثارتها حوارات الرواية، وبالمناسبة فإن السيد محفوظ مواطن مصري صديق أرهقته ظروف وطنه بعد الثورة فغادرها مهاجراً، وهو يتفق مع ما أثاره زكي الدسوقي في حواره حول مسؤولية عبدالناصر في التدهور الذي تشهده مصر حالياً! فهو يرى أن عبدالناصر هدم أكثر مما بنى حين أطلق مشروع الإصلاح الزراعي وتجزئة الأراضي، وحين أعلن مجانية التعليم، وتوزيع حصة التمثيل البرلماني بين الفلاحين والعمال وطبقة الأثرياء والمتعلمين! وهو أيضاً يعتبر أن مشروع التأميم في مصر كان المشروع الكارثة الذي أربك التركيبة الطبقية في مصر أكثر بكثير من تنظيمها وتنسيقها.
هنالك ممن يتفق مع السيد محفوظ في رؤيته هذه، لكن الكثير من المواطنين العرب في شتى أنحاء الوطن العربي يختلفون معه بشدة، فهم يرون في عبدالناصر زعيماً قومياً رسخ الانتماء العربي وبشدة في قلوب الناس، وزرع فيهم فخراً، بانتمائهم هذا؛ هو الذي حرك العالم العربي ليناضل ضد المستعمر، ويعيد بناء أرضه بسواعد أبنائه.
إن من الغبن حقاً أن ننسب التدهور الذي أصاب المجتمع المصري إلى شخص عبدالناصر أو ثورة يوليو التي قد تكون لها سلبياتها وإخفاقاتها، لكن الذي يحدث في مصر الآن، كما في مجتمعات عربية أخرى ناتج عن عوامل مركبة كثيرة ليس كلها بسبب ثورة يوليو! “فحثالة المجتمع المعدمين أولاد المعدمين”، كما أسماهم زكي الدسوقي في حواره في الرواية، ليسوا نبتاً شيطانياً، بل هم جزء من المجتمع “النظيف والأنيق والمؤدب الذي يسهر في كلوب محمد علي ونادي الجزيرة”، وكل ما في الأمر أن ثورة يوليو أخرجت ذلك المجتمع “المعدم”، ليشارك المجتمع “الأنيق” في رزق أرضه ووطنه.
الرواية شيقة، والجدل الذي أثارته لا يقل تشويقاً، وبين الرواية والجدل ينطلق الحوار الذي نتمنى أن يثمر مخرجاً لمصر المحروسة من مآزقها السياسية والاقتصادية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى