مصر.. هي أمي

مصر.. هي أمي
تابع العالم كله وبِشَغَف كبير يوم الثالث من أبريل فعاليات الموكب غير المسبوقة لنقل 22 مومياء لملوك مصر القديمة من موقع المتحف المصري في ميدان التحرير، إلى الموقع الجديد في المتحف القومي للحضارة المصرية، الكائن في أول عاصمة إسلامية في مصر، في الفسطاط.
الموكب كان مسرحاً تاريخياً مُتحَرّكاً، لعب الأدوار فوق خشبته 18 ملكاً، وأربع ملكات، في مشهد استحضَرَ روح مصر العظيمة، وتاريخها الذي يفخر به العالم، لكن وبالرغم من فخامة المشهد وهيبته، وتفوّق التنظيم وجماله، فإن الأمر لم يخلُ من آراء متفاوتة لم تَصُب جميعها في خانة الملاحظات الإيجابية، فبخلاف اعتراض البعض على مشاركة فنانة غير مصرية مع الفنانين الذين قدّموا العرض الجميل والثري، كذلك أيضاً جاءت أسطورة لعنة الفراعنة من جديد لتحتل صدارة التعليقات، خاصة في ظل بعض الحوادث التي تعرّضت لها مصر قبل موكب المومياوات، مثل جنوح سفينة قناة السويس، وتصادم قطارين، مما دفع العالِم ووزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس للتصريح بأن لا علاقة بين أكذوبة “لعنة الفراعنة” ونقل المومياوات.
الحدَث بحد ذاته كان مُبهراً بشكل طغى على مثل تلك التعليقات الهامشية، فقد أعادت هيبة الموكب إلى الذاكرة العربية والعالمية هيبة مصر كدولة وكتاريخ وكحضارة، وهو أمر كنا بحاجة لاستعادته خاصة في ظل الصورة المغلوطة التي حاول البعض أن يُروّج لها ويُسقِطها على مصر والمصريين، لأسباب بعضها سياسي وبعضها اقتصادي، وغير ذلك من أسباب.
صديقة مصرية كانت لها وجهة نظر مختلفة في احتفالية موكب المومياوات، حيث رأت في ما حدث تناقضاً مع ما يجري في مصر، سواء على المستوى السياسي، أو الاجتماعي، وبأن ضخامة التكلفة المالية سواء للموكب أو للمتحف الحديث لا تتناسب مع الصورة الحقيقية للمجتمع المصري، والتي يتداخل فيها البؤس مع الفقر وانعدام الأمن مع غياب حرية الكلمة والرأي.
إجابتي كانت في أن مصر بلد كان وسيبقى حاضناً لتناقضات كثيرة، وهو أمر بالمناسبة قد يحمل تميّزاً لا عيباً، فمصر حاضنة مستمرة ومتواصلة لعدة مسارح عبر التاريخ، مما قد يقودنا هنا إلى كتاب للدكتور يوسف زيدان، بعنوان “شجون مصرية” وهو كتاب يحتوي على سبعة موضوعات متفرقة، لا يجمع بينها سوى أنها جميعها تتعلق بالشأن المصري، سواء كان ذلك في المجال الإعلامي، أو السياسي أو الفكري، وفيه يطرح د. زيدان سؤالاً عما إذا كانت مصر حقاً هي هبة النيل، وهو ما ينكره زيدان حيث يرى أن كثيراً من القيم والمعتقدات والعادات التي صارت قريبة من العقل المصري الجمعي قد جاءت كنتيجة على عمق فكرة “الهبة” في الفكر المصري، ويرى أن حالة من التناقض قد تسربت عبر السنين إلى داخل التراث.
بغض النظر عن الآراء التى تبايَنَت واختلفت حول موكب المومياوات، فإن الحدَث يأتي كفرصة لمصر لإعادة تموضعها فوق خارطة السياحة العالمية، وهو كحَدَث يأتي أيضاً وربما بالنسبة للكثيرين مثلي للتعبير عن اعتزازهم بمصر، تاريخاً وحضارة، وقومية وعروبة، فنحن جميعاً نتاج لما جادت به الثقافة والفكر والفن والمسرح والغناء والسينما في مصر.
وإذا كانت مصر العروبة قد صادفت عثرات باعدت بيننا وبينها في حقبة ما من الزمن، فإن نهوضها دائماً ما كان أقوى وأسرع من عثراتها، باعد بيننا وبينها مؤتمر كامب ديفيد المشؤوم، لكن القبضة الشعبية في مصر كانت أقوى من كل المؤتمرات والمعاهدات التي أفشَلَها الشارع في مصر، خانها الإخوان كما فعلوا مع غيرها، لكنها وأدت مؤامراتهم ونهضت، لتمضي مصر راية خفّاقة في سماء العرب، وتنطلق عبر شوارعها مواكب التاريخ، ففي نهاية المطاف تبقى مصر أماًً لجميع العرب، أو بالأصح “مصر هي أمي”، كما تقول الأغنية الشهيرة.
