القضية الفلسطينية

من يكبح جماح إسرائيل؟

القبس-29 أغسطس2026م

في ظل استمرار إسرائيل في انتهاك حرمة الأخلاق المُتَعارَف عليها بين البشر، ومع إصرارها على التمادي في جرائمها وعبثها بأمن غزة والضفة ولبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان وغيرها، بينما العالم، بمؤسساته ومنظماته ولجانه الحقوقية والقانونية، يقف صامتاً وعاجزاً حتى عن الإدانة، في ظل مثل هذا الاستمرار في الطغيان والعنف والجريمة، نطرح جميعاً سؤالاً حول مسؤولية العالم، أو بالأصح مقدرة العالم على مواجهة العنجهية الصهيونية، أو حتى مساءلتها قانونياً وأخلاقياً.
مشروع E2 الاستيطاني، الذي عارضته بعض الدول الأوروبية، بالإضافة إلى كندا، وحذّرت الشركات من المشاركة في مناقصاته، دليل على عجز العالم عن مواجهة إسرائيل بمشاريعها التوسّعية، والاكتفاء بتحذير شركات فقط، دون التطرّق إلى جريمة الاستيطان بحد ذاتها، المشروع وفقاً للمخطط الصهيوني يرمي إلى إنشاء تجمّع استيطاني كبير في جنوب مدينة بيت لحم، مع بناء نحو 2500 وحدة سكنية، وقد سُمّي المشروع E2 تشبهاً بمخطط E1 شرق القدس. المشروع، وفقاً للمعطيات، يهدف إلى عزل بيت لحم عن جنوب الضفة الغربية، مما يعني مباشرة أن قيام دولة فلسطينية مُتّصلة سيكون أمراً في غاية الصعوبة مستقبلاً، هذا بخلاف كونه مشروعاً استيطانياً يتعرّض لمواقع مقدسة لدى المسيحيين، وهو لربما كان الدافع من وراء معارضة أوروبا له، أي بسبب الموقع الجغرافي تحديداً.
ومع ذلك تستمر إسرائيل في تحدّي العالم، فبعد الصمت الدولي تجاه جرائم إسرائيل في غزة والضفة ولبنان، أصبحت أكثر جرأة وثقة بأن مشاريعها الدموية والاستيطانية ستمر مرور الكرام أمام مجتمع دولي، أباح لها كل ذلك، وإن كان بشكل غير رسمي، لكنه كان واضحاً من ثقتها بقدراتها على التمادي وانتهاك أبسط القوانين الدولية والأخلاق المّتعارَف عليها، ولو بأقل تقدير.
الأسباب وراء ذلك بلا شك كثيرة ومتعدّدة، أبرزها الدعم الأمريكي المطلق لها، الذي أسقط في يونيو عام 2025 قراراً أممياً، يقضي بوقف الحرب في غزة، هذا القرار الذي صوتت له 14 دولة، قبل أن يُسقطه «الفيتو» الأمريكي، لذلك فإن الأغلبية الدولية في منظمة كالأمم المتحدة ستصطدم دوماً بـ«فيتو» يجعلها غير قادرة على تفعيل قراراتها.
الإدانات الدبلوماسية كثيرة، لكنها وحدها لن تنقذ عائلة هجّرتها إسرائيل وهَدَمَت منزلها، ولن تُنصف طفلاً فقد أطرافه، ولن تعالج شيخاً أصبح وحيداً ومُهجّراً بين الدمار، ولن تُخفّف الألم عن أم ثكلى بأولادها جميعاً، الإدانات الدبلوماسية تبقى في قاعات المنظمات والهيئات الدولية، ولا تغادرها إلى حيث يقبع الألم والشتات والفقر والمرض.
قطعاً، هنالك، وعلى الورق، قانون دولي، وحقوق إنسان، وحماية للمدنيين ولرجال الصحافة والإعلام في الحروب، فالمشكلة ليست في وجود مثل هذه القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، بل المشكلة الأساسية حين يصبح قانون القوة أقوى من ميزان القانون، وحين تكون هنالك فجوة كبيرة بين القوانين المدوّنة والراسخة في الضمير العالمي، وبين القدرة الفعلية أو الإرادة الحرة لتنفيذها وإقرارها، وهو بالتحديد ما يحدث الآن في حالة غزة ولبنان وغيرهما من الدول المنكوبة، بعجز القوانين الدولية عن النفاذ، وتكون معها المعادلة اللاعادلة بين دول وكيانات ضعيفة لا تملك القوة والمقدرة على الصمود والمواجهة، وبين دول قوية تملك السلاح والسياسة والإعلام والقانون الدولي والمنظمات والهيئات الدولية.
لذلك، فإن السؤال حول من يكبح جماح إسرائيل، ومن يوقِف هجماتها وعنفها واستباحتها لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، يصطدم دوماً بسؤال أكبر حول ما إذا كانت القوانين الدولية فعلاً في قبضة الأقوياء، ولا يتم تنفيذها إلا بموافقتهم، وهو ما يطرح حقيقة القيمة الأخلاقية للقوانين الدولية هنا، وعما إذا كانت قد فقدت بالفعل قوتها الأخلاقية والسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى