شئون خليجية

المفاوضات فصلٌ من فصول الحرب

القبس-26 يوليو 2026م

أمريكا تقصف إيران، والنظام الإيراني يقصف دول الخليج، ثم تلجأ الأطراف إلى طاولة المفاوضات، وما أكثر الطاولات هنا، ليعود بعدها القصف ويتكرر المشهد. في لبنان يتواجه حزب الله والكيان الصهيوني، يُقتَل من يُقتَل، ويُهجّر من يُهجّر، وتُدمّر مبانٍ وبيوت ومنشآت، ثم يذهب المتحاربون الى إيطاليا ويجلسون إلى طاولة مفاوضات. كل ذلك يحدث والعالم، وشعوب الدول المُستَهدَفَة تتابع المفاوضات والنزاعات العسكرية، يستدرجها الأمل في مخرج ما، وينهكها الانتظار والترقّب والشك في جدوى أن يكون هنالك أساساً مخرج من هذه الحروب. غالبًا ما تُشكّل المفاوضات فصلًا من فصول الحروب، حدث ذلك وتكرر منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم تكن القوة العسكرية وحدها هي الحاسم في إنهاء الحروب، وانما أعقبتها أو تزامنت معها مفاوضات عديدة لوقف إطلاق نار، أو ترسيم حدود أو تبادل أسرى أو غير ذلك، فالحرب الكورية انتهت بهدنة بعد مفاوضات طويلة، وحرب فيتنام انتهت باتفاق باريس، والحرب العراقية الإيرانية انتهت بمفاوضات، كذلك حدث في حرب البلقان وحروب عدة في الشرق الأوسط.
اليوم، في الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا وبين إسرائيل وحزب الله، تسير المفاوضات بالتزامن مع ضغط عسكري وسياسي على الأرض، ويستمر عادة مثل هذا المسار إلى أن تقتنع كل الأطراف بأن تكلفة الحرب ومكاسبها المُحتَمَلَة هي أعلى بكثير من مقدرة أيٍّ من الأطراف على الاستمرار بها، بمعنى آخر أن السلام بمفهومه السامي ليس السبب في إنهاء أي حرب عالقة، وإنما تكلفة الحرب هي ما يحسم الأمور، ويؤدي في النهاية إلى مفاوضات تكون أكثر واقعية وعملية. عبر التاريخ، لم تستطع أي مواجهة عسكرية أن تحقق سلامًا بالمفهوم الحقيقي للكلمة هنا، فالمواجهات العسكرية والحروب قد تتيح لطرف سيطرة على مواقع أو تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، لكنها أبدا لم تخلق سلامًا مستدامًا، فالحسم العسكري قد يمكّن طرفًا من الانتصار فوق أرض المعركة على طرف آخر، وبالتالي فرض شروطه في مفاوضات أو مباحثات مشروطة، لكنها غالبًا لا تكون متكافئة، بل تخلق أرضية صالحة لإثارة نزاع أو حرب مستقبلية أخرى، وكما حدث في معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى التي يرى فيها الكثير من المؤرخين أنها مهّدت للحرب العالمية الثانية بعد أن فرضت شروطًا قاسية على ألمانيا حينها.

منطقة الشرق الأوسط أصبحت مُنهَكَة بفعل الحروب المتواصلة التي أثقلت كاهل شعوبها، وجعلتهم يتأرجحون يوميًا بين أمل أن تخلق المفاوضات واقعًا جديداً. وبين يأس من أن تستمر الحرب ويستمر القصف والأذى النفسي والمعنوي والمؤسسي. تصحو هذه الشعوب كل يوم مع خبر مفاوضات جارية، تفتح طاقة أمل بانفراجة قادمة، ليخيم اليأس من بعدها إثر انطلاق الصواريخ والمسيرات والقصف وصافرات الإنذار من جديد.

المفاوضات لا تعنى إذاً نهاية للحرب، بل هي جزء من مسار الحرب، كل طرف يبحث فيها عن أوراق من خلال أعمال عسكرية قد تغيّر شيئًا في موازين القوى، ويبقى السلام الحقيقي في إنهاء أسباب النزاع الأساسية، والتي يأتي على رأسها، في حالة النزاع في الشرق الأوسط، قضية الصراع العربي الإسرائيلي والتنافس الإقليمي والدولي على منطقة حباها الله كل شيء، ثروات، وموقعا إستراتيجيا، وممرات مائية، ومواني، فتحوّلت عبر التاريخ إلى ساحة تتقاطع فيها وتتنافس حولها مصالح وحروب ونزاعات ودول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى