
نحن الشعوب، وبالرغم من أننا نشكّل أغلبية القاطنين فوق كوكب الأرض، لم نعلم لماذا قامت الحرب، شأنها في ذلك شأن حروب أخرى مرّت على البشرية، ولا لماذا قرّر «الناس اللي فوق» إمكانية حلول السلام، نحن كشعوب فقط نلمس نتائج الحروب من دمار وإبادة وترويع وخوف وتهجير وعدم استقرار، لكننا لسنا معنيين بتفاصيل أخرى، كالمفاوضات والمباحثات التي تلم شمل «الناس اللي فوق»، ولا عن الصفقات التي يترتّب على ضوئها وفوق طاولاتها وخلف كواليسها كل شيء.
حين كتب تولستوي رائعته «الحرب والسلام»، لم يكن قصده سرداً تاريخياً لحروب نابليون، وإنما استخدم الحرب والسلام ليرمز من خلالهما إلى ثنائية الحرب والسلام في النفس البشرية بشكل مباشر، فالبشر، كل البشر، وفي كل الأزمنة والعصور والحروب، ليسوا معنيين بما يدور في كواليس إشعال الحروب، ولا في مفاوضات فرض السلام، لكنهم مدركون وطوال الوقت أن هذه الحروب مرتبطة وبشكل مباشر بكل شؤونهم، بأسرِهم وارتباطاتهم وأمنهم وقوت يومهم وبيوتهم، بل وحتى بإحساسهم بالحب، وبمعنى الحياة، وبأن الحروب تخلق فوضى مباشرة في كل هذه الأحاسيس والمشاعر والمواضع.
الحرب والسلام وما بينهما، وكما صوّرهما تولستوي في رائعته، ليسا معارك وقتالًا ودماء وحسب، وليسا مفاوضات وتحالفات وصمتًا للمدافع في مقابل أوراق تفاوضية، يتبادلها الذين أشعلوا الحرب، ثم قرّروا إخمادها ونزع فتيلها، بل هما يشكلان أرضاً شاسعة يختبر من خلالها الأقوياء قوّتهم وسلطتهم ونفوذهم، وتتعرّف فيها الشعوب على حجم قدرتها على التكيّف والتعامل بحكمة وبصيرة ونضج لتأمين سيْر الحياة قدر الإمكان.
حل «السلام» اليوم بعد «حرب» شرسة بين الولايات المتحدةوإيران، فمنذ عام 1979، والصراع قائم، والحروب، سواء مباشرة أو بالوكالة، لم تتوقف، حدثت في أثنائها مواجهات أعقبتها تفاهمات حين تقاطعت مصالح الطرفين، الحرب والسلام بين الولايات المتحدة وإيران كانا اللغة التي تحدّثت من خلالها المشاهد منذ عام 1979 وحتى اللحظة، في مشهد يعكس محاولة فرض توازن إقليمي يحمي مصالح كل طرف، وهو أمر، ربما سيجعل دور دول الخليج أكثر تحدياً مستقبلاً، فالمسألة بالنسبة لدول الخليج، خاصة بعد هذه الحرب، لم تعد مقتصرة على الوقوف مع طرف ضد آخر، يحوّلها إلى ساحة صراع بدلاً من لاعب رئيسي، وإنما سيكون عبر استقلالية تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتقوية الروابط داخل منظومة الدول الخليجية، والتحالفات الإقليمية الموحّدة من جانب كل دول الخليج، لمنع تصدّعات إقليمية مستقبلية قد تعرّض أمنها واستقرارها واقتصادها للخطر، دون أي مراهنة على سيادتها واستقلالها ومستقبلها ودورها في المنطقة، سواء إقليمياً أو عربياً أو دولياً.
المفارَقة في معادلة الحرب والسلام، أن الحرب على بشاعتها وحجم دمارها ودمويتها أسهل بكثير من صناعة السلام، الذي يحتاج ترويضاً للممارسات السياسية، وتهذيباً للنفس البشرية، وحكمة تفوق حماقة الحروب والدمار.
لخّص تولستوي السلام بكونه أكبر من مجرد معاهدة سياسية أو أوراق تفاوضية، فهو حالة من الانسجام الأخلاقي والعودة إلى القيم الإنسانية وإرساء القدر الممكن من العدالة، وبأن أصعب ما في هذه المعادلة ليس الحرب ولا السلام، وإنما في المنطقة العازلة بينهما، ففيها يكون البناء، الذي هو أصعب دائماً من الهدم.
أمام دول الخليج اليوم فرصة ذهبية للتعامل بحصافة ضمن إطار مثل هذه المنطقة العازلة.




