
بعد حرب الخليج مباشرة.. قامت إحدى الصحف العالمية بنشر إعلان على صدر صفحاتها الأولى.. يحوي في طياته تحذيراً للدول الصناعية من مستقبل غامض ومهدد.. وذلك لفشلها في اتخاذ خطوات إيجابية لتوفير استهلاك الطاقة.. وعلى وجه الخصوص الطاقة النفطية، إضافة إلى عجزها عن التوصل إلى مصادر طاقة متوفرة ورخيصة غير النفط.. وحيث تأتي الدول الصناعية في المقام الأول في استهلاك الطاقة النفطية.
وقد تصدرت ذلك الإعلان صور لكل من الرئيس الليبي معمر القذافي.. والرئيس الإيراني الخميني.. ثم صورة لرئيس النظام العراقي صدام حسين تصدرت صور هؤلاء إعلان تلك الصحيفة في إشارة منها إلى المخاطر التي تعرضت لها مناطق إنتاج النفط على أيدي هؤلاء وعن مدى إمكانية تكرارها.. وما قد يشكله ذلك من تهديد للدول الصناعية والتي تعتبر السوق الأول والأكبر لصادرات النفط العربية. لقد لخص ذلك الإعلان وبأسلوب مختصر ومباشر ماهية العلاقة بين الدول العربية المنتجة للنفط.. بما فيها دول الخليج، والدول الصناعية المستهلكة للنفط.
لا أحد يجادل في حقيقة أن دول الخليج خاصة.. بحدودها الجغرافية وبأنظمتها السياسية بل وبالأدوار التي تؤديها على الساحة الدولية.. هي دول ساهم في نشوئها وضمن استمرارها على النحو التالي ظهور النفط. ولو أدركنا هنا أن الدول الصناعية قد أعلنت فشلها في استبدال النفط بطاقة أخرى.. مما يعني استمراره كأفضل مصدر للطاقة.. لاستطعنا على ضوء ذلك أن نخرج بتفسير أكثر نضجاً لعملية غزو النظام العراقي للوطن.. وكذلك لحتمية إفشاله بجهود دول العالم الصناعية.
فقد عجزت الدول الصناعية عن التوصل إلى مصدر طاقة آخر.. إما لتكلفتها العالية.. كما هو الحال في الطاقة الشمسية.. أو لاحتمال زيادة أخطار التلوث وكما هو الحال في الطاقة النووية. لذلك فقد تحتم على الطاقة النفطية أن تسيطر ولفترة زمنية مقبلة دون منافس مع ما يعنيه ذلك من استمرار للدور الذي لعبه.. ويلعبه النفط في عمليات ترتيب أوضاع المنطقة.
ولو عدنا إلى التاريخ نحكمه، وهو خير حكم، لقرأناً بين طياته الأمور التي لعبها النفط في مراحل تاريخية متفرقة.. وكيف أن لكل دور من تلك الأدوار آثاره المباشرة والمختلفة على منطقة الخليج بصفة عامة وعلى هذا الوطن بصفة خاصة.
فمع بزوغ فجر هذا القرن ومع ازدياد احتمالات ظهور النفط في المنطقة جاء نصيب الوطن منها باتفاقية الصداقة مع بريطانيا في عام 1899 والموقعة من حاكم الكويت آنذاك والتي تضمنت عدم تنازل الكويت عن أي حقوق إقليمية لدولة أخرى نظير اعتراف بريطانيا باستقلالها الداخلي.. وفرض حمايتها ضد أي تدخل أجنبي. ثم تأتي الحرب الأولى.. ويزداد معها احتمال ظهور النفط فتخضع مناطق النفط وممراته للسيطرة الفعلية.. سواء من خلال استعمار مباشر.. أو من خلال معاهدات واتفاقيات طويلة الأمد، ففي عام 1914 اعترفت بريطانيا باستقلال الكويت تحت الحماية البريطانية.
وما إن جاءت الحرب العالمية الثانية حتى أصبح احتمال ظهور النفط واقعاً.. وما أملاه ذلك من وجوب ربط دول المنطقة – باعتبارها مركزاً لإنتاج النفط واحتياطه – بالدول التي خرجت منتصرة من الحرب الثانية والتي كان في انتظارها طريق طويل من البناء والتصنيع لمواجهة متطلبات العالم الجديد الذي خلفته حربان عالميتان. فمنحت الكويت امتياز التنقيب عن البترول في عام 1946 إلى شركة نفط الكويت المتحدة التي تتقاسمها شركة البترول البريطانية وشركة بترول اتحاد الخليج الأمريكية.
تاريخياً.. جاءت ردود فعل الدول الصناعية لظهور النفط في المنطقة منطقية ومتماشية مع مصالحها الأساسية في ضمان تلك الثروة فوزعت الأدوار ورسمت الأوضاع الجغرافية والسياسية وخلفت ارتباطاً أو تبعية مباشرة لها في دول المنطقة.. إن كان من حيث الاعتماد على أسواقها في تلبية الضروريات والمواد الاستهلاكية أو من حيث استثمار العائدات النفطية في أسواقها ومؤسساتها. وفي كلتا الحالتين فإن الفائدة والمردود الاقتصادي يصب مباشرة في أسواق الدول الصناعية واقتصادها.
ولكن ماذا كان من ردود فعلنا كدول منتجة أو بمعنى آخر ما هو الدور الذي لعبه ظهور النفط في المنطقة العربية؟
لم تشهد المنطقة دون استثناء لأي دولة من دول النفط.. تفاعلاً متلائماً مع أهمية النفط كعامل تصنيع ومصدر طاقة ولا جاءت جهود التنمية ملائمة وضخامة الثروة بمعنى أن النفط لم يعجز فقط في تحويل المنطقة إلى منطقة صناعية.. بل عجز حتى عن المساهمة في الصناعات الأساسية لتغطية احتياجات دول المنطقة وعلى الرغم من أن الفترة الزمنية التي مرت على ظهور النفط كانت كافية لخلق ثورة صناعية في مناطق أخرى!!
وعجزنا لم يكن فقط في عدم وجود صناعات نفطية وغير نفطية.. وإنما أيضاً في فشلنا عن أن يخرج من بين أبناء دول النفط من هم خبراء في مجال تلك الطاقة.. وذلك وضع طبيعي ناتج عن افتقاد صناعة النفط للاهتمام اللازم.. ليس على مستوى التصنيع وحسب بل وحتى على المستوى الأكاديمي والتعليمي.. اللهم إلا باستثناء كلية البترول والمعادن في الظهران. ولا ننسى هنا حقيقة إغفالنا لأهمية تعميم الفائدة النفطية عربياً عن طريق المزيد من الاستثمار في الدول العربية لخلق مزيد من الارتباط مبني على الحاجة المتبادلة.. والمصالح المشتركة.. والذي بلا شك كان من الممكن أن تكون له آثاره الإيجابية على مستقبل العلاقات السياسية العربية.
قد نكون في هذا الوطن من أكثر المدركين لأهمية النفط كسلاح في مجال السلم والحرب معاً.. فنحن قد مررنا بكارثة خلقها النفط أو على الأقل حسب الادعاء العراقي والذي اتهم الكويت بأنها تجاوزت حصص الإنتاج المقررة لها في منظمة الأوبك.. وإنها قد اتبعت سياسة إغراق للسوق النفطية أدت إلى تدهور أسعار النفط ثم جاءت نهاية الكارثة برد فعل للدول الصناعية متماشياً مع ردود فعلها التاريخية السابقة.. في ضمان توفير الطاقة النفطية.. فأنهت دول التحالف إمكانية هيمنة العراق على ٪20 من احتياطي النفط في العالم.
لعلَّ رد الفعل الوحيد الصادر عن دول النفط.. والذي جاء مترجماً لأهمية النفط كسلاح حرب وسلم معاً.. هو قرار إيقاف النفط في عام 73 وهو الرد الذي أكد في الوقت للدول الصناعية ضرورة إعادة النظر في أوضاع المنطقة. فجاءت اتفاقية كمب ديفيد.. ثم الحرب العراقية – الإيرانية.. وأخيراً حرب الخليج الثانية.. بمعنى آخر لم تشهد المنطقة في ما عدا الموقف الذي اتخذته دول النفط في عام 73، سياسة نفطية متماشية مع أهمية النفط كشريان للحياة في العصر الديث سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي.
وها نحن الآن نقبل على مرحلة نفطية جديدة يلعب فيها النفط دوره الرئيسي المعتاد.. خاصة بعد أن أصبح مؤكداً أنه سيظل وإلى فترة زمنية مقبلة المصدر الوحيد للطاقة إن كان من حيث الوفرة أو من حيث قلة التكلفة وما يمليه ذلك الواقع علينا كدول منتجة من ضرورة إعادة النظر بشكل جدي في سياساتنا النفطية.. إن من حيث التوجه نحو المزيد من التصنيع الذي بلا شك سيقلل من تبعيتنا للدول الصناعية.. أو من حيث الموازنة العادلة بين مصالح الدول الصناعية المستثمرة للنفط.. ومصالح الدول المنتجة والمصدرة له.. والتي لم تكن أبداً على أساس من التكافؤ يضمن الفائدة العادلة لكلا الجانبين.
إعادة النظرة في سياستنا النفطية أصبح أمراً ملحاً أكثر خاصة بعد التساؤل الذي طرحه الأسلوب المتبع من قبل رئيس النظام العراقي في إهدار وحرق الثروة النفطية وهو تساؤل عن مدى حقنا في الاستقلال بمواردنا وثرواتنا.. وعما إذا كنا كدول منتجة أهلاً للتعامل والتصرف بما تتطلبه تلك الثروة من اهتمام.
