غير مصنف

صياغة جديدة.. لعهد جديد

[جريدة القبس 23/9/1996]

قد لا تخفى على أي متتبع لرحى الصراع الحاد والدائر الآن في الشارع السياسي، صبغة المثالية التي تتسم بها جميع طروحات المرشحين، وهو أمر وارد وطبيعي ويحدث في كل الصراعات البرلمانية وإن كان المآخذ البارز هنا، هو أن المناخ العام من حولنا يؤكد وبصورة مؤسفة أن قضايا الوطن المعلقة لا تزال عالقة، وأن مانشيتات وإعلانات المرشحين لا تزال تراوح مكانها، مؤكدة من جديد عزمها على حسم مصادر قلق المواطن. لعلَّ من الأسس الثابتة للعمل الديمقراطي ما يتعلق منها بأسلوب العلنية في الطرح، والإشهار للقضايا الوطنية دون تمييز أو محاباة. ومن هنا فقد اكتسبت المجتمعات الديمقراطية مناخاً من الوعي لا تخطئه العين، مما انعكس على المواطنين فيها بصورة مكنتهم من تحقيق مبدأ المشاركة في القرار والذي هو لب وأساس العمل الديمقراطي.. التوعية إذاً مسؤولية لا تقل عن مسؤولية التشريع، وهي دور أساسي يفترض في المرشح أن يكون مدركاً لأهميته وحساسيته.
المتجول في خيام وندوات المرشحين الجدد لا شك سيقف دهشة لذلك التكرار الممل في الطرح والبرامج، على الرغم من عجلة المتغيرات العالمية والمحلية، ولذلك الإصرار المتعجرف على طروحات تثبت أن مجرد النقاش والحديث فيها إهدار للوقت وللجهد وللأطراف كلها.
ويكفي القول هنا أن قضايا: كالاختلاط وتطبيق الشريعة ومنع الحفلات وزيجات المتقاعدين وعلاوات أبنائهم، لا تزال تحت الصدارة، بينما تموج الأحداث من حولنا عاتية دون أن يكلف المرشحون أنفسهم في التعرض لها إلا في ما ندر منهم.
العمل النيابي مسؤولية وأمانة لا وجاهة وكرسياً. والدور الذي أمام المرشحين الآن هو في توعية المواطن للمتغيرات من حولنا اليوم، خاصة بعد الفراغ الذي أفرزه تراجع كبير في حس المواطن الانتمائي، كالانتماء القومي العربي، والانتماء الديني الإسلامي، من جراء الضعف القيادي العربي والإسلامي، وهو فراغ لا شك استطاع أن يتسلق عليه دعاة التخلف والعودة إلى الوراء بصورة مكنتهم من إعلان أنفسهم بدائل مناسبة ومرشحة للبقاء.
الحديث في الوضع الراهن، أو لنكن أكثر تحديداً في الترتيبات الأمنية الجديدة في الوطن، وتطورات الأحداث في العراق، ليس حديث مناسبة بل حديث ضرورة، تفرضه حاجتنا الملحة اليوم لقراءة المستقبل قراءة استراتيجية لا قراءة تكهنية، وهو دور يتحمل المرشح جزءاً كبيراً منه، إذا ما هو كان حقاً صادقاً في حرصه على المصلحة الوطنية، وصالح المواطن بوجه عام.
فمن المؤسف أن تأتي الحملات الانتخابية، في ظل جو مشحون بالأحداث، ووضع متأزم سياسياً واقتصادياً، بينما لا تزال خيامنا الانتخابية تتحدث عن البدون، وعن تعديل المادة الثانية، وعن العمالة وتنظيمها وعن حق المرأة في الانتخاب. فتلك قضايا، وإن كنا لا ننكر أهميتها، إلا أن الوضع اليوم يفرض علينا صياغة جديدة لها بأسلوب يتلاءم مع أوضاعنا الراهنة.
قد يرى بعض المرشحين أن المواطن هو سيد الموقف هنا، وأنه وحده صاحب الحق في ترتيب الأولويات، وأن اهتماماته لا تزال في قضاياه تلك، غير أن ذلك لا يعفي المرشح من مسؤوليته في التوعية، هذا إذا كان بالفعل رامياً إلى مصلحة الوطن والمواطن. أما إذا كان هدفه ومبتغاه المقعد البرلماني الوثير، فليتحدث ما شاء عن المادة الثانية وتعديلها وفلسفة الاختلاط والنقاب متجاهلاً بذلك أننا مقبلون على عهد جديد.. يفرض صياغة جديدة ووعياً جديداً.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى