
مع اقتراب فصل الصيف تتزايد حدة التكهنات القائلة باحتمال حل مجلس الأمة!! وتتراوح الاحتمالات بين حل دستوري وإجراء انتخابات وفق ما ينص عليه دستور الدولة، وبين حل قد يكون مشابهاً لأزمات 76 و86!!
ما يهم في المسـألة، سواء جاء الحل دستورياً شرعياً أم إجبارياً تعسفياً، أن المناخ العام قد أصبح ولا شك مؤهلاً لأي خطوة تؤدي إلى حل المجلس!! سواء كان على مستوى تذمر المواطن من أداء المجلس بوجه عام أو على مستوى ما يطرح من قضايا!! خاصة بعد الاستياء الذي أبداه المواطن لهيمنة صراعات التكتلات السياسية داخل المجلس.. وسيطرة النزاعات الشخصية على روح الحوار والنقاش تحت القبة البرلمانية!! هذا بالإضافة إلى ما طال شخوص التمثيل النيابي من تهم، طالت حتى الجانب الأخلاقي كما المهني في بعض الأحيان!!
لا شك أن إقناع المواطن الآن بجدوى حل مجلس الأمة، لن يكون مهمة بالغة الصعوبة!! فعلى مستوى التمثيل النيابي، هناك أداء سيء ومعالجة قاصرة لقضايا الوطن وطرح شخصي للقضايا العامة!! أما على مستوى الأمن الداخلي كما الخارجي، فهناك احتمال رفع الحظر عن نظام بغداد، وما يعنيه ذلك من إرباك للأمن!!.. وهناك أزمة الحرب اليمنية والمخاوف الخليجية من امتدادها وتشعبها!! إضافة إلى عامل أساسي هنا.. يكمن في الحرب غير المعلنة على ديمقراطية الوطن، والتي يرى فيها الكثيرون تهديداً مستقبلياً بعدوى محتملة!!
في وسط كل تلك (المخاوف) و(التهديدات).. لن تكون هناك صعوبة تذكر في إقناع المواطن بوجوب حل المجلس!! خاصة إذا ما كان الأمر ذا علاقة بأمنه واستقراره!! فمقايضة حل المجلس بأمن المواطن، كانت هي العذر المستخدم في حل مجلس الـ 86، إبان عنف الحرب العراقية – الإيرانية!! وهو إن كان آنذاك عذراً مشبوهاً آثار حفيظة المواطن.. فإن هذا المواطن الآن، وبعد تجربة الغزو المريرة، قد لا يتوانى عن التضحية بكل مكتسباته الديمقراطية.. في مقابل أمنه.. حتى وإن كان احتمال التهديد الأمني معدوماً!!
وسواء كانت هناك خطة لحل المجلس البرلماني أم لا، فإنه من المفترض عدم الخلط بين المجلس كهيئة منتخبة من قبل المواطنين وبين الديمقراطية كنهج ونظام سياسي واجتماعي.. بمعنى آخر أن حل المجلس لا يفترض أن يصاحبه تعطيل لحرية الصحافة!! ولا فرض وصاية على الرأي والفكر الشخصي!! حل المجلس لا يعني إلغاء التجمعات والندوات التي تناقش أمور الوطن!! حل المجلس ليس حلاً للديمقراطية!! فالبرلمان أو المجلس المنتخب ما هو إلا تعبير وترجمة للنهج الديمقراطي السائد في مجتمع ما!! والانتخاب والترشيح ما هما إلا وسيلة لإشراك أكبر شريحة ممكنة من المجتمع في العمل والمسؤولية السياسية!! غير أنهما بكل تأكيد ليس كل ذلك ما يحويه النهج الديمقراطي!! فكم من أنظمة ديكتاتورية متسلطة تجري انتخابات برلمانية بغرض كسب شيء من الشرعية!! وكم من ديكتاتور متسلط يبيح صحافة ومسرحاً.. يكيلان النقد للحكومة بهدف تفريغ شحنات التذمر والسخط الجماهيري والسيطرة عليها وحصرها في صحافة النظام (المعارضة)!! ويكفينا أن نعلم أن الصحافة (المعارضة) لنظام صدام حسين والتي أدت إلى التغيير الوزاري مؤخراً في العراق.. هي في رعاية وتحت سيطرة وأوامر ابن رئيس النظام العراقي!!
لا شك أن الشعب الحر هو الذي يخلق ديمقراطية حرة حقاً وليس العكس!! فعلى الرغم من مسيرة العمل الديمقراطي البرلماني في هذا الوطن، إلا أننا لا نزال بعيدين عن الديمقراطية بمعناها المتكامل والشامل!! تعيقها عوامل عديدة لا زالت عالقة في تكويننا الاجتماعي والأخلاقي والديني!!
الديمقراطية ولا شك هي مطلب صعب، وتحقيقه يقتضي نضالاً على مستوى الفرد والمجتمع، نضالاً مستمراً ليس في مواجهة الحكومة والنظام السياسي وحسب وإنما مواجهة كل معوقات الحرية الفردية والمجتمعية.. فالحرية أياً كان منبعها.. لا تعطى ولا تمنح.. وإنما تنتزع.. وبما يحويه لفظ الانتزاع من عنف وقوة.. فالمجتمعات التي تنعم بمناخ ديمقراطي حر.. ويتمتع الفرد فيها بحرية وحقوق كاملة لم تدرك ذلك بين يوم وليلة. وإنما دفعت في المقابل دماء.. وسنوات طوالاً من النضال والعمل اليومي المستمر لتحقيق ذلك المناخ الحر!!
ونحن في هذا الوطن قد عمدتنا ولا شك دماؤنا التي سالت وحرياتنا التي انتهكت إبان مرحلة الغزو البغيض.
