غير مصنف

التاريخ.. تصنعه البدايات الصغيرة

[جريدة الطليعة 6/10/1996]

يقال إن أسلم الطرق لتعلم الكمبيوتر هي الجلوس فعلاً أمام هذا الجهاز المعقد والعمل عليه، بمعنى أن الممارسة الفعلية للجهاز هي وحدها السبيل لفهم طرق تشغيل الكمبيوتر وعمله. وهكذا هي الحرية وهكذا هو النهج الديمقراطي.
ففي هذا الجو العابق بروح الحوار والنقاش ومن قلب حلقات الندوات على اختلاف عناوينها وباختلاف محاوريها.. يحاول البعض أن يبث روحاً يائسة وقانطة من جدوى ما نحن بصدده من محاولات جادة تسعى إلى تشييد صرح ديمقراطي مستنير يكون أساساً لبناء وطن صلب قوي وواثق. إلا أن استجابة الشارع الرافضة لتلك النغمة الداعية إلى اليأس… قد أثبتت تجذر الوعي والحس الديمقراطي لدى المواطن.. وأثرت سنوات الممارسة في الحوار والنقاش.. التي دائماً ما كللت الحملات الانتخابية السابقة.
لعلّ المتتبع لندوات الحوار على اختلافها لن يخطئ روحاً من الوعي في الطرح شملت الناخب والمرشح على حد سواء وبحيث حرص كلاً الطرفين على التطرق لقضايا جوهرية تشغل المواطن وتؤرقه.. وشهدت الندوات التي أبدت جدية في طرحها لتلك القضايا.. شهدت حضوراً جاوز في أحيان كثيرة كل التوقعات.
وبينما كانت العاطفة هي سيدة النقاش والحوار.. في الندوات التي سبقت مجلس 92، حيث كانت أطروحات المرشحين مشحونة بحزن خلّفه الغزو وتبعاته… وكانت وعودهم بإصلاح مبهم الهوية والبرنامج، حيث تصدرت دعوة “الإصلاح” كل البرامج الانتخابية آنذاك. وكانت الجهود كلها تسعى إلى “منطقة إصلاح وسطى” تلتقي فيها كل التكتلات السياسية، قبل الانطلاق في معركة الإصلاح الكبرى!!
فبينما كانت تلك المثالية في الطرح هي القاسم المشترك لكل البرامج الانتخابية آنذاك.. تأتي حملات اليوم مؤججة بنضج تعكسه طبيعة ولون القضايا المطروحة اليوم.. وأسلوب متميز في الطرح والحوار يفرضه مستوى الوعي والإدراك الذي لم تعد تجذبه حفلات الولائم.. والخراف، بقدر ما تحركه نكهة القضايا المطروحة.. ومحتواها الفكري والسياسي.
الديمقراطية.. كالكمبيوتر… وكما ذكرنا آنفاً.. لا تكون إلا بالممارسة، فالديمقراطية.. ليست برلماناً.. ولا حملات انتخابية وحسب.. بل هي في عمقها الحقيقي… سلوك ثابت ومستمر.. وهي ليست حالة مؤقتة.. بل نهج متواصل متصل.
الديمقراطية.. كما الحرية.. ليست منحة أو هبة بل هي حق مكتسب.. أساسي.. ومستمر.
لذا فإن الذين يرون في أنفسهم يأساً يحاولون بثه في الآخرين من جدوى البرلمان.. والحق الانتخابي والترشيحي.. هم بلا شك مخطئون في يأسهم.. كما في مقصدهم.. فنحن في هذا الوطن.. بلا شك نقف في بداية الطريق.. بداية صحيحة وإن كانت صغيرة.. فبدون التراكمات الصغيرة هذه.. لا يمكن أن يولد التاريخ.
المجلس الجديد وتأدية الأمانة
[جريدة القبس 8/10/1996] ها قد انتقلت الأمانة لتستقر فوق أكتاف ودماء جديدة.. فحمل النواب الجدد عبء المسؤولية بعد أن اجتازوا استفتاء الشعب، الذي أئتمنهم بدوره على مصيره ومصير أبنائه وخولهم بالقرار والإدارة نيابة عنه لأربعة أعوام مقبلة.
ليس في ما نقوله هنا شعر ولا نثر نصيغه احتفالاً بقدوم حملّة الأمانة والمسؤولية الجدد، بل هو تعبير حقيقي عما يجيش به قلب كل مواطن.. من مشاعر أمل وترقب بأن يترجم القادمون الجدد آماله وتطلعاته إلى أفعال وقرارات نافذة وملموسة، وأن يتبنى حملة الأمانة القضايا التي تؤرق الشريحة الكبرى من المواطنين، لا الفئة الصغرى.
من الأمانة، أن يتمسك القادمون الجدد بديمقراطيتنا المكتسبة وهي رمز لكل ما بحوزتنا من مكاسب، في ظل أعبائنا السياسية الحالية، وفي إطار جغرافيتنا الجديدة.
ومن الأمانة.. أن يعي حملة الأمانة أعباءنا المالية والاقتصادية المتراكمة.. والتي أرهقها ذلك العبث اللامسؤول بمقدرات الوطن والمواطن.. وما يعنيه ذلك من ضرورة التصدي بشراسة لأولئك العابثين، مع فرض قيود صارمة ونافذة للحد من شراهة البعض لاستنزاف المال العام، مما يعيق كل المحاولات الرامية إلى تنمية ما تبقى من موارد وثروات. ومن الأمانة كذلك، أن يتحلى نواب الأمة القادمون بموضوعية الطرح وبترتيب الأولويات، بدءاً بالقضايا الحيوية والتي تمس الغالبية.. وأن يتنازلوا عن أطروحات “البيضة والدجاجة” والتي تعد إخلالاً وانتهاكاً للأمانة التي أؤتمنوا عليها.
ومن الأمانة أن يتصدى المشرعون الجدد للعابثين بمؤسساتنا التعليمية، والطبية والتي أصبحت تشهد تراجعاً مخيفاً أمام مخرجات تعليمية جاهلة ومتقوقعة، وإنجازات طبية وعلاجية متدنية وبدائية.
ومن الأمانة أن يقضي نواب الشعب على مجتمع “الموزاييك” وعلى تعدد الجوازات ووثائق الهوية.. وأن تصبح المساواة في الحقوق كما الواجبات شعارنا المقبل نحو بناء مجتمع واحد، صلب ومترابط، وأن يكون الانتماء للأرض وللوطن أساس الهوية والجنسية.
ومن الأمانة، أن يتبنى حملة الأمانة مبدأ الكفاءة أساس الترقي الوظيفي والإداري، وأن نخرج بشعار الرجل المناسب في المكان المناسب، من خانة الجمود ليكون قانون التطور والتسلسل، الوظيفي والعملي.
الأمانات كثيرة.. والعبء ثقيل.. لأصحاب الضمائر الكبيرة الذين يجدون في نيابة الأمة تكليفاً لا تشريفاً، والقضايا الوطنية مؤرقة.. ومرهقة لمن يرون في العمل الوطني المخلص شرفاً وجهاداً.. لا مقعداً وثيراً واسماً لامعاً. وهم إن كانوا قد اجتازوا استفتاء الشعب والأمة.. فإن لله وللوطن ديناً بعهدتهم.. لن يستطيعوا قضاءه إلا إذا هم أدوا الأمانات بصدق ونزاهة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى