غير مصنف

“مهرجو السلطان”

[جريدة الطليعة 2/10/1996]

لا شك أن التطورات التي حدثت في منطقة “الدعية” وتداعياتها قد استحوذت على جزء كبير من اهتمام المواطن، بحيث أصبحت الانتخابات الفرعية في “الدعية” ودخول المرشح “القلاف” المعركة في وجه المخضرمين من أهل المنطقة، كل ذلك أصبح هو الشغل الشاغل والهم الوحيد لأغلبية المواطنين، بينما نحن نقبل على نهاية حمى المعارك والندوات الانتخابية وفي جو مليء بالقضايا والهموم العالقة والمؤجلة.
وعلى الرغم من تخوف البعض من جذوة الطائفية، والتي قد تشعلها رحى الصراع في “الدعية” إلا أن ذلك لا يعفي من القول أن المسألة برمتها لا شك قد تجاوزت حجمها الطبيعي، وأصبحت نغمة يتسابق عليها مرتزقة العمل السياسي.. ممن يتصيدون الفرص سعياً وراء هدفهم الرامي دوماً إلى تهميش دور المجلس، وتحجيم الأداء والعمل النيابي.
إن الديمقراطية قبل أن تكون مظهراً حضارياً.. ومطلباً شعبياً، هي أداة ووسيلة لبناء مجتمع متماسك صلب وواثق. هي بداية الطريق لا نهايته. والمشكلة الأساسية التي تواجهها الديمقراطية كنظام اجتماعي وسياسي متكامل، أن شريحة كبيرة من المنادين بها.. لا يمارسونها.. أو أنهم يكتفون بشعارها.. ويتساهلون في تطبيق مفهومها العام. ومن هنا فقد دأبوا دائماً على تصيد الفرص التي تقنعهم.. وتمكّنهم من إقناع غيرهم بأن الديمقراطية شعار من الصعب جداً أن يصبح واقعاً ممارساً في الحياة البشرية.
ونحن في هذا الوطن، لا شك أصبحنا مدركين للمحاولات المتكررة والرامية إلى إبقاء الديمقراطية شعاراً لا واقعاً، وإلى تهميش الدور الأساسي للمجلس وإفراغه من مهامه التشريعية والرقابية.
وإذا كانت قضية المرشح “القلاف” قد خدمت وبصورة مباشرة أهداف تلك الفئة، بما أحدثته من إرباك في أولويات الطرح التنافسي في ساحة الانتخابات فإن معاول التشويه للأداء الانتخابي التنافسي لم تكتف بذلك. ويكفينا أن نذكر في هذا السياق مسرحية “البديل” الهزلية، والتي لا ينكر أحد إساءتها المتعمدة والواضحة للديمقراطية كنهج، وللتنافس الهادف كأسلوب لطرح الرؤى والبرامج الانتخابية.
إن أولى مؤشرات الخطر التي يواجهها مستقبل الوطن السياسي لا شك تكمن في اهتزاز أو تصدع مصداقية العمل النيابي… ودور المجلس الرقابي والتشريعي، والتي أصبحنا نعيها من خلال تساؤلات المواطن عن جدوى النائب وعن فائدة المجلس ومردوده السياسي والاجتماعي والاقتصادي على الفرد والمجتمع.
إن الخطر يكمن في تلك الروح اليائسة التي أصبحت ترى في مجلس الأمة مؤسسة غير جادة في تحمل المسؤولية والقيادة. الخطر إذن ليس في إشكالية دخول المرشح “القلاف” إلى المجلس بعمامته أم لا، وإنما يكمن الخطر الحقيقي في ذلك التزاحم الشديد لحضور (مناقشات) المرشح “البديل” الهزلية والتي تعتبر انتهاكاً صارخاً لإرث من الإنجازات الوطنية جاوز في عمره خمسة وثلاثين عاماً تخللتها محاولات يائسة من تزوير في انتخابات، وحل للمجالس المنتخبة.. وشراء للأصوات والضمائر، وتقسيم للدوائر.. ومحاولات متواصلة لتفريغ الدستور من محتواه ومضمونه. لنأتي اليوم إلى محاولة جديدة للاستهزاء بالعمل الانتخابي، وبجدوى الحوار الجماهيري، وبأهمية الطرح الموضوعي الواعي.. سواء من خلال الترويج لمسرحيات “البديل” الهزلية الخاوية.. أو من خلال اتهام الديمقراطية بكونها أداة لإثارة النزعات الطائفية والقبلية.
ومع كل ذلك فستبقى الديمقراطية أسلم السبل وآمنها نحو بناء مجتمع مستقر ومتكامل.. وسيبقى التمثيل البرلماني الأسلوب الأمثل لإيصال مصالح وتطلعات الأغلبية إلى خانة التنفيذ والعمل. وسيبقى المهرجون وسط هذه الأهداف السامية والنبيلة للديمقراطية ظواهر عابرة.. وقطع غمام موسمية.. سرعان ما تبددها قناعات المواطن بإيجابيات العمل الديمقراطي وبكونه الخلاص الأمثل من كل الشوائب وقطع الغمام الموسمية.. والتي علينا أن لا ننكر إيجابيتها أحياناً.. وكونها أدوات فرز ضرورية.. تفرضها متطلبات وشروط البدء نحو شق الطريق السليم ويسقط معها مهرجو السلطان.. ومروجو الفتنة.. والخلاف.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى