غير مصنف

سذاجة الوعي

[جريدة القبس 24/2/1997]

بعض التصريحات والتكهنات والإشاعات التي أصبحت شائعة في الآونة الأخيرة، هي بلا شك انعكاس واضح لقصور في الوعي والحس الديمقراطيين على المستوى الرسمي بوجه خاص.
وسواء أدى ذلك الجدل حول فعالية المجلس وصلاحيته، إلى حل دستوري أم لا. فإن المشكلة بكل تأكيد ليست في ذلك وإنما هي أعمق بكثير.
إن مجلس الأمة، نتاج للديمقراطية لا العكس، وإن نحن عكسنا هذه المعادلة، فإن ذلك دليل قاطع على خلل في فهم المعنى الحقيقي للنهج الديمقراطي، ومن هنا، فإن التذمر الذي أعلنه البعض تجاه خروج بعض الوجوه أو دخول بعضها إلى البرلمان في أعقاب انتهاء الانتخابات في أكتوبر الماضي، لا شك أنه دليل على ذلك الخلل في الوعي بالمنهج والحس الديمقراطي السليم.
الديمقراطية ليست سحراً، يقلب الأوضاع ويغيرها في غمضة عين، ويخلق كناراً جميلاً من ضفدعة بشعة. والمشاكل والأزمات التي يعاني منها مجتمع ما، لن تختفي بقدرة قادر فقط لأن في ذلك المجتمع برلماناً وانتخابات، الديمقراطية ليست مجرد اقتصاد حر، ولا تعددية فكرية وحسب. بل هي في جوهرها عملية تطور تاريخي وتراكمي لثقافة احترام الآخرين، ولسيادة القانون، وللتداول السلمي للسلطة. ومن هنا تأتي مشكلة تعاون السلطتين ومدى فعالية المجلس والتي أصبحت حديث الصحافة والأفراد في الآونة الأخيرة. تأتي، وكما ذكرنا سابقاً، لتلقي بُعداً أعمق ينعكس سلباً على تجربتنا الديمقراطية، ومجتمعنا السياسي بوجه عام.
فالاختلاف والتمايز في الرأي هما لا شك أساس العلاقة البشرية، وليس الاتفاق. ودور الديمقراطية هنا هو الإقرار بذلك الاختلاف، وتنظيمه من خلال إيجاد صيغ ومؤسسات فاعلة تنسق بين المختلفين، وتنظم آراءهم المتمايزة بما يخدم الصالح والنفع العام.
ونحن في هذا الوطن، بلا شك لا نغفل تلك الخاصية للعمل الديمقراطي، ولا دور البرلمان في تنظيم الاختلافات ضمن المجتمع السياسي الواحد.
وتجربتنا النيابية، على عمرها القصير، زاخرة ولا شك بإشكالات مشابهة، وبفترات تميزت بتعاون فاتر وبارد بين السلطتين استطعنا بوعينا وإدراكنا أن نتجاوزها، إلا فيما ندر من حالات، حيث تدخلت أمور أخرى وحسمت الأمر مصالح ذاتية لا علاقة لها بالصالح العام، فأدى برود العلاقة في تلك الحالات إلى تعليق العمل النيابي وحل المجلس وكما نذكر جميعاً.
قد لا ينكر أحد أننا اليوم في هذا الوطن نجابه وضعاً جديداً، وبأن المستجدات التي أفرزها واقع الغزو وماتلاه من تداعيات، قد طرحت في السوق السياسية أزمات وقضايا قد يثير الحديث فيها والجدل حولها فتوراً في العلاقة بين السلطتين، لكن ذلك لا يعني، ولا يجب أن يعني أن تعليق العمل النيابي هو الحل. بل وحتى الحديث في حل أو (خلاص) كهذا، سيكون بلا شك إخفاقاً بشعاً وتراجعاً في وعينا السياسي، وتدنياً في إدراكنا بأهمية وحتمية الاستمرار بالديمقراطية سبيلاً وحيداً لتنظيم المجتمع وعلاقات أفراده.
فالمشاركة السياسية هي واجب قبل أن تكون حقاً، ومن هنا تأتي مسؤوليتنا جميعاً، مسؤولين كنا أم أفراداً، في الحفاظ على ذلك الإنجاز وتكريسه في نفوسنا ونفوس صغارنا.
إن الديمقراطية ليست الحرية في اختيار الحاكم وحسب، بل هي إعمال لإرادة المساواة وللحق في التمثيل السياسي، للحرية وللإرادة المجتمعية. هي مصير، ومن المخجل أن يكون تعاملنا مع مصيرنا بهذه السطحية في التفكير، وهذه السذاجة في الوعي!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى