غير مصنف

ثنائية الجمهور والقيادة

[جريدة الطليعة 25/6/1997]

الرسالة التي حملها التجمع الجماهيري في مقر النائب “عبدالله النيباري” هي لا شك رسالة واضحة وصريحة تؤكد عزم المواطن وإصراره على الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية وتأييده لكل المحاولات المخلصة والمصممة على التصدي للفساد الإداري والمالي أياً كان مصدره، وأياً كانت شخوصه.
الجماهير الغفيرة التي احتلت كل شبر من مساحة التجمع على الرغم من قسوة الجو وحراراته تؤكد أن الرصاصات التي اخترقت جسد “النيباري” كانت موجهة إلى كل مواطن مخلص وصادق وغيور.
في كتابه “العرب والديمقراطية” يتحدث الدكتور “خليل أحمد خليل” عن السياسة بكونها الصناعة الإنسانية للتاريخ ذاته، وهي سلطان البشر وسلطتهم في القيادة الحرة، وفي التدبير الحر لوسائل معيشتهم وفعاليتهم ذاتها، وفي الانتظام الرامي إلى الدفاع الذاتي، الدفاع عن وجودهم (انتهى).
ولعلّ الدكتور “خليل أحمد خليل” يرمي من وراء ذلك التفسير، ويشير، إلى أهمية الدور الجماهيري في اللعبة السياسية بشكل عام.
لا شك أن تجمعات كهذه تصب مباشرة في حصيلة الوطن الديمقراطية، وتغذي الحس والنهج الحر بوجه عام ويمارس المواطن من خلالها حقه في التعبير، وواجبه في المسؤولية، فالجموع التي توافدت على ذلك اللقاء الجماهيري، تحركت بتلقائية مطلقة يدفعها الإحساس بالمسؤولية، وضرورة المساهمة والمشاركة في الهموم والقضايا الوطنية.
لقد بقيت الديمقراطية في عالمنا العربي، ومنذ بداياتها، واعتمادها كأسلوب مثالي فريد من التنظيم السياسي والاجتماعي، بقيت في إطارها الشكلي البحت في كل الأنظمة العربية وبدون استثناء، بحيث اختزل النهج الديمقراطي في انتخابات موسمية، رئاسية أو برلمانية، كانت فيها أرقام الاكتساح الرئاسي أو البرلماني الفلكية دليلاً على مدى التشوه الذي طال مفهوم الاختيار الحر، والمساهمة السياسية، والديمقراطية بشكل عام.
اليوم، ومن خلال ذلك اللقاء الجماهيري المعبر عن درجة كبيرة من النضج السياسي، نؤكد في هذا الوطن أننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو مزيد من الترسيخ لمسألة المشاركة السياسية، ولقضايا الحرية وللمسؤولية الوطنية بشكل عام ونكون بذلك قد أضفنا لبنات جديدة إلى بنائنا السياسي، ومنهجنا الديمقراطي الحر والمسؤول.
إن المشاركة الجماهيرية في تجمعات كهذه تؤكد يقين المواطن بالدور الرئيسي للجماهير في العمل السياسي وهو دور تفتقده أغلب ديمقراطيات العالم العربي، حيث تقتصر الديمقراطية فيه على ديمقراطية الحزب أو ديمقراطية القائد الفرد.
تعتبر الجماهير من الركائز الأساسية في العمل السياسي، وإذا كان جمهور بلا قيادة يعتبر فوضى، ويشير إلى خلل في التنظيم السياسي فإن قيادة بلا جمهور، تعد فوضى أيضاً، وديكتاتورية، وديمقراطية جوفاء.
لقد أكدت تجارب الآخرين تلك الحقيقة، كما أدركت أنظمة سياسية عديدة أهمية الدور الجماهيري وحساسيته. فأعلن الاتحاد السوفيتي السابق، سياسة “الجلاسنوست” أو الإجهاز بالرأي وبالحديث، لتكون مدخلاً في سبيل دعوة الجماهير للمساهمة السياسية، وللانعتاق من أغلال القيادة الفردية والمطلقة.
لقد عبر المهرجان التضامني الجماهيري، سواء من خلال حجم المشاركة الشعبية، أو من خلال الشعار الذي رفعه المهرجان، عن درجة النضج التي يتمتع بها المواطن، وعن مقدار المساهمة الجماهيرية في القضايا الوطنية بشكل عام كما أكد النظام والتنسيق الذي ميز المهرجان التضامني عن مقدرة المواطنين على العمل والحركة بنظام لا تعكره فوضى أو شغب.
كما ساهم المهرجان في التأكيد على نضج ووعي القوى السياسية، وحقيقة انتمائها ودورها الوطني البارز. حيث التحمت تلك القوى، وتضامنت تحت شعار وطني صادق، بالذود عن المكتسبات الدستورية والتصدي لآلة الفساد وشخوصه.
لقد أكدت تلقائية التفاعل الجماهيري مع حادثة الاغتيال، وما صاحبها من كشف لبؤر فساد كثيرة، عن درجة استجابة المواطنين وتفاعلهم مع القضايا الوطنية، وعن إيمانهم بثنائية “الجمهور والقيادة” دون أن يعزل أحد الطرفين الآخر!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى