
لا شك أن التطورات السياسية الأخيرة، تعتبر تطورات طبيعية تحدث في أي مجتمع سياسي ديمقراطي.. سواء كان الاستجواب، أو الدعوة إلى طرح الثقة، أو استقالة الحكومة، فإنها كلها تبقى أدوات تستخدم في كل الكيانات السياسية!!
هي إذاً، ليست مؤشرات خطر على الإطلاق!! غير أن ما يجب التحذير منه، وكما أفرزت الأزمة السياسية الأخيرة، هي مخاطر تلك المحاولات المحمومة التي يشهدها الشارع السياسي اليوم لإلغاء الآخر ونفيه من الخريطة والعمل السياسي، ولشجب أي وقائع قد تكون حاصرته بثوابتها وبراهينها!!
كذلك فإن الأزمة السياسية الأخيرة تؤكد أننا بحاجة إلى مراجعة أسباب أزماتنا وإخفاقاتنا السياسية في هذا الوطن، ومنذ بدء مسيرتنا الديمقراطية!! والبحث في الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتي تجعلنا نكرر الاخفاقات ذاتها، ونجتر الأزمات نفسها في كل مرة!!
بإمكاننا إذاً، أن نستلهم من الأزمة السياسية الأخيرة شيئاً من العبر والدروس، إن نحن صدقنا النية والعزم!! ولعلها تأتي اليوم بمثابة ناقوس يحذرنا من مغبة الانزلاق في طرق اللاعودة!! فمن غير المعقول ولا المقبول أن تبقى أزماتنا ومشاكلنا كما هي على الرغم من مرور زمن لابأس به من مسيرتنا الديمقراطية ممثلة بالمجلس المنتخب!! وعودة إلى مضابط جلسات الستينيات تجعلنا مدركين لتلك الحقيقة!! فبخلاف أسماء النواب، فإن لا تغيير يذكر قد طرأ على القضايا المطروحة للنقاش، فالأزمة السكانية ما زالت عالقة، وإنعاش الاقتصاد لا يزال هاجسنا، والوضع الأمني لا يزال مهزوزاً!! والتعليم بحاجة إلى إعادة نظر في مناهجه وأساليبه!! والصحة تئن تحت وطأة الميزانية المتواضعة والاحتياجات المتزايدة!!
لقد عبر هذا الوطن بمواطنيه ظروفاً صعبة وقاهرة!! وهي ظروف جعلت المواطن يسرف أحياناً في طموحاته بمشاريع إصلاحية تنموية تعكس درجة استيعابنا لذلك الدرس القاسي، غير أن الاستمرار في اجترار الأزمات ذاتها وإعادة إنتاج الإخفاقات السياسية نفسها، قد دفع البعض إلى التساؤل إن لم يكن اليأس من حالة الجمود التي أصبحت تسيطر على كل مشاريعنا التنموية!! والتي قد يكون لها أسباب وجذور متعددة، إلا أن جزءاً كبيراً منها ولا شك يعود إلى جهل بالعمل السياسي بشكل عام!! فالسياسة تبقى في أساسها الوسيلة المعتمدة لترويض الواقع ومعطياته واستخدامه بالصورة التي تخدم أكبر قدر ممكن من الأفراد!! فالسياسة في أحنك تعريفاتها هي فن الممكن، وفن الأخذ والعطاء، وهي في أرقى ممارساتها تدعو إلى الإقرار والاعتراف بالطرف الآخر، في سبيل تحقيق مجتمع قائم على المشاركة والتقاسم!! وتلك ولا شك هي أساس أزمتنا. فنحن جميعاً ودون أي استثناء، نفتقد في تكويننا السياسي العام، منطق التشارك والتقاسم!! ونلهث في أغلب أطروحاتنا لوأد الآخر وإلغائه، متوهمين دائماً أننا بذلك قد أعلنا انتصارنا، وحققنا مكاسبنا!!
ولعلَّ الأزمة الأخيرة قد أكدت لنا وبصورة قاطعة ذلك القصور الواضح في إدراكنا لأساليب العمل السياسي الناضج!! فلقد انحصرت كل تفاعلاتنا مع ذلك الحدث في خانة الهجوم على الطرف الآخر المقابل، بحيث أصبحت أزمتنا السياسية هي فقط في ذلك (الاختلاف) بين التيار الديني من جهة والليبرالي من جهة أخرى!! وان (الغلبة والانتصار) هما من نصيب الطرف الذي يطيح بالآخر!!
قد لا ينكر أحد أن ذلك التنازع بين هذين التيارين ساهم في إثارة هذه الأزمة السياسية، لكنه قطعاً ليس السبب في حالة الجمود عن الأداء المثمر والتي تعترينا كوطن وكمجتمع بشكل عام!! بل على العكس من ذلك فالمجتمع البشري لا يمكن أن يعيش في اتفاق دائم، فلا بد من أن يكون هنالك تنازع يدفع به إلى الحركة إلى الأمام!! هو إذاً، التنازع بلا هدف، والاختلاف لأجل الاختلاف، والحركة بقصد إلغاء الآخرين!! هو ما يجعلنا نئن تحت وطأة الجمود عن العطاء والتنمية!!
الأزمة السياسية الأخيرة إذاً، هي ليست بسبب التنازع بين تيارين وفكرين مختلفين، وعجز السلطتين عن التعاون لا يعود لتلك الأسباب وحدها.
غير أن معضلتنا الأساسية هي في المستثمرين لذلك التنازع، والذين يرتبط استمرارهم وأهميتهم ببقائه مشتعلاً متأججاً!! وهؤلاء وحدهم يتحملون مسؤولية بقاء أزماتنا السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية والإسكانية كما هي ومنذ فجر العمل البرلماني!!
وهؤلاء هم الذين يحاولون إضفاء صفة الكارثة على الأزمة السياسية الأخيرة، وتحميل الديمقراطية والعمل البرلماني مسؤولية عجز الدولة عن حسم أي من أزماتها العالقة، وتعليق كل أسباب ذلك الخذلان السياسي على طبيعة التنازع بين التيارات المختلفة!!
لذا فإننا سنكرر أزماتنا ونعيد إنتاج مشاكلنا وإخفاقاتنا، ما بقي ذلك القصور السياسي مسيطراً على وعي وإدراك الجميع!!
