غير مصنف

العالم أصبح وقحاً

3نوفمبر2025

هل أصبح العالم اليوم يعيش حقبة من انعدام الأخلاق؟ والأخلاق هنا ليست بمعناها الفلسفي والفكري، وإنما في قيمتها ومؤشراتها الحياتية اليومية، والتي يشير أغلبها الى أن العالم حقا أصبح وقحًا.
الوقاحة السياسية تُمارَس كل يوم ضد المهاجرين، وضد المُستَضعَفين في غزة ولبنان واليمن والسودان وأفريقيا، وقاحة ضد من لا يملك الأرصدة التي تُمكّنه من السّكَن في الأبراج السكنية الفاخرة، وارتياد المنتجعات الترفيهية وممارَسة السياحة الفخمة.
الوقاحة السياسية والاجتماعية هي التي أعطت الفاسدين ومنتهكي القانون حق التصدّر في المناسبات واحتلال الصفوف الأولى.
مُفرَدَة الوقاحة اليوم أصبحت تشمل كل المظاهر السلبية في العالم، سياسية كانت أم إعلامية أم اجتماعية، هي في الواقع غدت تعبيرًا دارجًا وشائعًا يُستَخدَم لوصف التدهور الذي حدث في قيم الجمال ومعايير الاحترام للنفس وللآخرين، وقيمة الرأي في فضاء إعلامي، مكتوب او افتراضي، يتعامل مع الشعوب والجماهير على اعتبار أنها عقول فارغة وغبيّة تستوعب كل هذا الهزل والكذب والانحراف.
تغيّرت المفاهيم الجمالية وبشكل انعكس حتى على العِمارَة، فأصبحت البيوت والمباني قاسية في معمارها، تفتقد أدنى مقومات الجمال والأناقة المعمارية المُعتادة، والتي تقوم على التناسق والتفاصيل الدقيقة.
تَدَهوَر التعامل على المستوى الاجتماعي، فأصبحت الوقاحة والابتذال معايير للانتشار والشهرة، وأصبح «الترند» أهم من القيمة الأخلاقية، أما على المستوى السياسي، فقد أصبحت الوقاحة معيارا للقوة والنفوذ، وصارت الجرأة على إيذاء الناس، وقمعهم، والاستهزاء بهم، وحجب حرياتهم، هي مؤشرات «مألوفة»، تعكس انعدام الحياء السياسي بكل معاييره، وهو ما يشهده العالم عبر نهج وتصريحات ومواقف سياسيين مثل نتانياهو وغيره من أباطرة الحروب والدمار الشامل.
كانت الوقاحة في السابق مُستَتِرَة وخجلى بعض الشيء، الى أن اخرجتها الثورة الرقمية والإعلامية الى العَلَنْ، وغدت صفة للأقوياء والمشاهير كل حسب مجاله، وأصبحت معها الوقاحة مرادفا للشهرة والانتشار ومعيارًا للقوة والسلطة والنفوذ، واكتشف معها المؤثّرون ورواد التواصل الاجتماعي، أن الوقاحة تُمكّنهم من مُضاعَفة المتابعين، وأن السخرية والتفاهة لا تقابلها أدوات ردع أو عقوبة، وفي الوقت نفسه دبّت عدوى الوقاحة مجال السياسيين الذين أصبحوا مُدركين أن المواقف والتصريحات الصادمة يفوق تأثيرها المواقف الهادئة والمتّزنة.
أما الخطر الحقيقي، فهو الوعي الذي تسرّب من هكذا واقع ليستقر كقاعدة لدى الأجيال الناشئة الذين أصبحوا يرون في الوقاحة شجاعة وصراحة وجرأة، وشيئًا فشيئًا تراجع الذوق العام، والحنكة السياسية والمبادرات الرصينة والهادئة، وتبدّلت اللغة مع كل تلك التغيرات لتصبح مفرداتها هي الأخرى زاخرة بكل ما هو وقح وفج وتافه.
مثل هذا الواقع الذي ابتلي به العالم اليوم لا يمكن له تحقيق الاستدامة، فالسياسيون الذين هندسوا العالم وغيّروا التاريخ والتضاريس السياسية والجغرافية حقًّا، فعلوا ذلك بهدوء، فقد كان كيسنغر يُدير العالم بعقله لا بلسانه، وحرّر نيلسون مانديلا بلده بعزيمته وليس بقوته العضلية، وآينشتاين فرض واقعًا علميًا جديداً بفكره وعلمه، وزها حديد أضافت للعمارة جمالًا بفنها، لا بقُبح تصاميمها.
قد يكون من السهل أن يُمارس الإنسان الوقاحة، فهي لا تتطلّب أكثر من ألفاظ نابية، وقوة عضلية وسلوك شاذ، لكن قد يكون صعبًا، وأقرب الى التحدي أن يكون لطيفاً وحليمًا وحكيمًا، فهذه صفات تشترط تحكيم العقل، وموازنة الأمور، وضبط النفس، وصياغة المفردات، والتحلّي بالقيم، وكلها مُغيّبة اليوم في عالم يصنعه الذكاء الاصطناعي والغباء السياسي والإعلامي.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الوقاحة السياسية-المفاهيم الجمالية-أباطرة الحروب-عدوى الوقاحة

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى