
منذ اعتلائها عرش بريطانيا العظمى، التقت الملكة اليزابيث الثانية ثلاثة عشر من رؤساء الولايات المتحدة، سقط بعضهم في أخطاء بروتوكولية كانت محط حديث الصحافة والناس، خاصة في ظل الآداب البروتوكولية الملكية الصارمة. أحدهم كان جو بايدن الذي التقى الملكة وهو مرتدي نظارته الشمسية في خرق واضح للبروتوكول، أما ترامب فقد اخترق البروتوكول الملكي في ولايته الأولى حين أدار ظهره للملكة وسبقها في السير، أما أوباما فقد أخطا بشربه نخبًا للملكة بينما كانت لا تزال مُنصِتة للنشيد الوطني، كذلك فعل بوش الأب حين لم يضبط حامل الميكروفون للملكة، مما أخفى وجهها وهي تلقي خطابها.
يُعتَبَر البروتوكول قاعدة في المحافل الدبلوماسية يتحدد على ضوئها السلوك المتعارف عليه في ما يتعلق بأصول الدبلوماسية وشؤون الدولة. وقد نشأت وتبلورت مثل هذه القواعد في السلوك عبر آلاف السنين ومئات الامبراطوريات والدول والأمم. وعلى الرغم من التحولات التي طرأت على قواعد البروتوكول في العصر الحديث، إلا أن مبادئه الأساسية، خاصة في الاستقبالات والمراسلات والممارسات الدبلوماسية بين الدول، والتي لا تزل مُمَارَسة، ولا يزال العمل وفقًا لقواعدها معمولًا به.
حطّم الرئيس الأمريكي ترامب مع عودته مجددًا الكثير من القواعد السياسية، وأثارت قراراته من الشرق الى الغرب الدهشة والاستياء في آن واحد، لكن أكثر ما تصدّر عناوين الصحف وتعليقات الناس كان في المشادة الكلامية الثلاثية بينه وبين نائبه وبين الرئيس الأوكراني، (الضيف) على المكتب البيضاوي، حفلة التوبيخ تلك تجاوزت كل الأعراف السياسية، وليست البروتوكولية وحدها، والإهانات التي تلقّاها رئيس دولة من رئيس دولة مثله وعلى الهواء مباشرة، اخترقت كل مألوف ومباح في السلوك الدبلوماسي المعهود منذ التاريخ القديم، وبغض النظر عن الخلافات السياسية التي عبّر عنها كل طرف، فإن الدبلوماسية والبروتوكول يقتضيان أن تتم مناقشتها في جلسات سرية أو مغلقة، وليس على الهواء مباشرة في مشهد أقرب للمشادة والمشاجرة.
لقد اعتاد العالم مغامرات وعنجهية الولايات المتحدة منذ تنكيلها بسكان أمريكا الأصليين، وإلى العراق وأفغانستان وغزة، والعنجهية الأمريكية اليوم وصلت أقصى مداها، ليس بانتهاك الشعوب عسكرياً واقتصادياً وحسب، وإنما بامتهانهم وإهانتهم وكسر كرامتهم وبشكل فاق الوصف مؤخرًا، بل ودفع الكثير من المفكرين الأمريكيين الى طرح السؤال حول الأسباب التي تقف وراء كراهية العالم للولايات المتحدة، مما استدعى الناشط السياسي واستاذ اللغويات نعوم تشومسكي لمحاولة الإجابة عن سؤال: «لماذا يكرهوننا»؟ بقوله ان هذا السؤال لم يطرحه جورج بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل طرحه من قبل آيزنهاور عندما تساءل عن سبب حملة كراهية الشعوب العربية للولايات المتحدة، والتي يقول تشومسكي ان ما يكرهه هؤلاء في أمريكا هو سياساتها الرسمية التي تحرمهم من الحرية، وأن الولايات المتحدة قد دعمت عمليات عسكرية في كولومبيا ونيكاراغوا والسودان والعراق واليمن وغيرها، وأن حملة الكراهية ضدها قد زادت بفعل سياسات أمريكا تجاه المسألة الفلسطينية والعراق.
إذًا لا بروتوكول ولا دبلوماسية ولا حتى مجاملة سياسية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ولا تُستَثنى من ذلك الدول ذات الثقل العالمي مثل فرنسا التي تربطها بالولايات المتحدة ملفات عالقة كثيرة، ومع ذلك فقد اخترق ترامب البروتوكول في لقائه مع الرئيس الفرنسي ماكرون، حيث لم يخرج لاستقباله عند وصوله الى البيت الأبيض وكما تستدعي دبلوماسية البروتوكولات.
يسود المشهد السياسي العالمي اليوم خليط من الفوضى والابتزاز وعنجهية القوة، والتي أفقدَت الناس أدنى درجات الثقة في المكونات السياسية التي تحكم وتتحكّم في العالم، خاصة في ظل سيطرة الفوضى «الترامبية»على المشهد العالمي ومن دون أدنى تمييز، ومن قلب هذه الفوضى يصدق حدس كيسنغر الذي قال ذات مرة: أن تكون عدوًا لأمريكا قد يكون أمرًا خطيراً، لكن أن تكون صديقًا فهو أمر قاتل.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الفوضى الترامبية-الرئيس الأوكراني-الأعراف السياسية-الممارسات الدبلوماسية
