
العيد لم يعد سعيداً، فغزّة استقبلت عيداً دامياً بمجازر صهيونية، فاقت في بشاعتها كل وصف، وبجوع وعطش يعصفان بآلاف الأطفال والشيوخ والضعفاء، وبالإضافة للجريمة في غزة، يعيش العالم بأسره فوضى سياسية وأهوالاً حربية تمتد عبر القارات، الحروب والدماء في كل بقعة من الأرض، انعكست بلا شك على مواسم الفرح والبهجة، وحوّلتها إلى مشاعر يختلط فيها الإحساس بالذنب، بشعور الحزن والألم، لما تعانيه شعوب في غزة وسوريا وليبيا والسودان وأوكرانيا واليمن وغيرها، وليفقد العيد بهجته في مواقع النزاعات والحروب، بعد أن سلبت آلة الحرب أرواح الأهل والأحباب، فتغيب البهجة وسط حطام غزة الثكلى والمحاصَرَة بالقتل والدمار والدماء.
لكن ماذا عن الشعوب الأكثر أمنًا واستقراراً، تلك التي لا تحاصرها آلة الحرب كما تحاصر غزة، هل لا يزال العيد سعيداً؟ وهل لا يزال يجلب معه البهجة؟ أم أن هنالك ستاراً داكناً يخفي وراءه نزعة أخرى نُغلّفها بمشاعر فرح وبهجة؟
لو سألت أحداً من جيل الآباء عن مشاعره اليوم في العيد، مقارنة بتلك التي كان يستشعرها وهو طفل، سيجيب قطعاً بأن العيد في السابق كان أكثر سعادة وإثارة لأحاسيس البهجة والسرور، والمسألة هنا لا علاقة لها بالفارق الزمني بين الأجيال، وإنما تستند إلى حقائق يتحدّث فيها علماء النفس اليوم.
في كتابها «وهم الذاكرة»، تتحدّث عالمة النفس وخبيرة الذاكرة، الدكتورة جوليا شو، عن طبيعة الذاكرة البشرية، وتدخل بنا في تفاصيل مخيفة قد يطول شرحها، لكنها تَتَطرّق في جزء منها لمراكز الإثارة في المخ، حيث ترى أن الروتين في أي شيء لا يُسبّب الاستثارة ومن ثم الاستدعاء، بمعنى أن الذاكرة لا تُخزّن ما هو متكرر كشيء مثير يُحدِث استدعاؤه أو تذكّره بهجة لدى الإنسان، وأن الأمور الاعتيادية لا تحرّك لدى الإنسان المتعة أو البهجة، كأن يأكل كل يوم لحماً مثلاً، فتصبح مع الوقت لذّة المخ بتناول اللحم أمراً اعتيادياً لا تُسبّب سعادة ولهفة، الأمر الذي يقودنا هنا إلى أحد أسباب تراجع فرحة العيد لدى جيل اليوم، فهم يلبسون جديداً كل يوم، ويأكلون الحلوى في كل الأوقات، ويرتادون أماكن الترفيه بمناسبة ومن دون مناسبة، وبالتالي فإن المخ لا يُخزّنها كمحطات استثارة لكونها اعتيادية ومتكررة وشبه روتينية، بينما يسترجع أهلهم ذكريات العيد في الطفولة، لأنها تخزّنت في الذاكرة كحالات استثنائية وليست روتينية، وبالتالي يسترجعونها بسعادة، حيث الملابس الجديدة في العيد، والحلوى والترفيه كذلك، فالوفرة ليست دائماً سبباً للسعادة، بل قد تكون الندرة أحياناً سبباً مباشراً للبهجة.
لكن تبقى الغصّة الكبرى في الأعياد الأخيرة، ليست في ما خزّنته الذاكرة وحسب، وإنما بما تتابعه القلوب وما تخزّنه العقول من ذاكرة مليئة بالحزن على دماء العرب تُراق في كل مكان، وعلى أرامل وأطفال فقدوا الحياة قبل أن يفقدوا التفاؤل والأمل بأن العيد قادم وسعيد، مشهد سيريالي يُخيّم على غزة، ويقمع كل محاولات استدعاء الفرح، وإشعال البخور، وارتداء الجديد، وتناول الفاخر من الطعام، في مرحلة طغت فيها رائحة الدم على كل شيء، ونهش فيها الجوع بطون أطفال غزة، وتجبّر معها العدو الصهيوني مخترقاً أدنى مقومات الإنسانية والرحمة.
العيد ليس سعيداً إذاً وغزة تُباد، ومهما حاول البعض تجاوز ذلك، والانخراط في بهجة العيد، ستبقى الغصة عالقة، وتبقى الذاكرة مثخنة بالمشاهد المؤلمة من غزة، والتي تدمي العقول والقلوب معاً.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:العيد-الشعوب-جوليا شو-مقومات الإنسانية
