
اندلعت الحرب إذاً، لكن لا أحد يستطيع وبدقة أن يتنبأ بتداعياتها، لكنها أيقظت في طريقها سيناريوهات واحتمالات حول مستقبل منطقة الشرق الأوسط كانت قد بقيت في خانة التكهنات، وذلك منذ أن أطلق الغرب مفهوم الشرق الأوسط الجديد.
غزو الكويت كان القشّة التي كشفت عيوب وأزمات المنطقة، وسواء كان الغزو مُدبّرًا أو عفوياً، فإن المنطقة بقضاياها وأزماتها لا تزال تعيش تداعياته، بدءا بمحاولة توطين إسرائيل كدولة جارة، ووصولًا الى كل ثورات وحروب وانقلابات المنطقة،
لقد تمّت محاولات عديدة لاحتضان إسرائيل من خلال معاهدات سلام زائفة كمؤتمر مدريد، وأوسلو، ووادي عربة والاتفاق الابراهيمي وذلك بعد غزو الكويت. سلسلة من محاولات ترويض إسرائيل بالسلام على الرغم من أن تاريخ المنطقة يؤكد أن إسرائيل لا يمكن أن تقبل بأي سلام حتى وإن كانت هي من يضع شروطه، فالكيان الشاذ لا يمكن أن يعيش في بيئة مستقرة، بل تغذيه دائماً الحروب والأزمات والتوترات على أطرافه وفوق أراضي جيرانه، وهو ما حدث بالتحديد، فبعد أربع حروب عربية – إسرائيلية وعشرات المعارك والحروب المصغّرة، تم ترويج فكرة إسرائيل المنيعة والمحصّنة والمدعومة من قبل بعض العرب قبل الغرب، وسيطرت فكرة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهَر على الذهنية العربية، وبشكل أفرز استسلاماً في الوعي العربي قبل أن يكون في السلام العربي، سردية إسرائيل المحصّنة والقوية وغير القابلة للهزيمة بأي شكل من الأشكال أصبحت سردية متداوَلَة بين الشعوب العربية وبشكل عزّز من ثقافة الهزيمة والاستسلام والضعف والخنوع في قلب غالبية العرب، وذلك قبل أن تُعيد غزة الصامدة كتابة تلك السردية، وبشكل أعاد إلى الوعي العربي إمكانية الوقوف في وجه البطش الإسرائيلي واستعادة بعض من الكرامة العربية المسلوبة عبر أكثر من سبعة عقود، بالرغم من فداحة الثمن الذي دفعته وتدفعه غزة.
حين أطلق صدام حسين صواريخه باتجاه تل أبيب في عام 1991، حَمَل العرب في كل مكان صوره كقائد عربي استطاع أن يُلحِق ضرراً ولو بسيطاً في الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من أكذوبة عداء صدام حسين لإسرائيل والغرب، وبالرغم من إدراك الجميع أنها كانت وسيلة هروب إلى الأمام وليس انصافاً لحق ولا إرساء لعدالة، إلا أن مجرد فكرة اختراق الأمن الإسرائيلي كانت مغرية إلى درجة اعتبار طاغية مثل صدام حسين بطلاً حينها.
اليوم أحرجت إيران كل الدول العربية حين قصفت تل أبيب وحيفا وأحدثَت أضراراً غير مسبوقة في البنية الأمنية لإسرائيل، والتي تفوق في أهميتها البنية العسكرية، فإطلاق صاروخ واحد يجعل آلاف المستوطنين يعيدون النظر في جدوى استيطانهم في مشروع الكيان التوسعي، وتلك بحد ذاتها كارثة استراتيجية بالنسبة لإسرائيل يفوق خطرها كل المُسيّرات والصواريخ.
الورقة الفلسطينية كانت ولا تزل الورقة الأهم في منطقة الشرق الأوسط، من يملكها يملك القرار في مصير المنطقة، هذه الورقة التي تنازل عنها العرب والتقطتها إيران، على الرغم من أن جغرافيا المنطقة وتاريخها يحتّم على العرب أن يقودوا مشهد وتفاصيل تلك الورقة، لكن التاريخ وبكل أسف يُشير إلى فشلنا الذريع في ذلك.
لا يعلم أحد وبشكل دقيق مسار الحرب الراهنة، فاحتمال تطورها الى حرب إقليمية أو حتى عالمية وارد، واحتمال التفاوض بين الأطراف وارد، واحتمال نشوب حرب بالوكالة بين أقطاب المال والسلاح في العالم وفوق هذه البقعة منه أيضاً وارد، كل الاحتمالات واردة، لكن للأسف لن يكون رصيد العرب فيها ملموساً ولا محسوساً ولا حاسماً بعد أن انكشفنا.
لا رابح ولا منتصر في الحروب، هكذا يقول التاريخ، والمعارك لا تعدو عن كونها ساحة يجمع فيها كل طرف أوراقا تفاوضية لاستخدامها عند سكوت المدافع. ومن الواضح أن العرب لا يملكون شيئًا من تلك الأوراق في المرحلة الراهنة. فلا عزاء لنا في حقبة سوداوية من تاريخنا.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:غزو الكويت-ترويض إسرائيل-البطش الإسرائيلي-صدام حسين
