
«خلطبيطة»، فيلم مصري تم إنتاجه في عام 1994، وهو من الأفلام المميزة، والتي تناولت الواقع الأمني الذي أصبح مصدر رعب للشعوب، والتي بات أغلبها مسلّمًا أمره ومحاصَرًا دائماً بهاجس الخوف من قوى الأمن ومن مستقبل مُهدّد غامض.
اليوم وفي ظل الانفلات و«خلطبيطة» في أوضاع الشرق الأوسط، توسّعت دائرة الخوف لدى الناس، وتضاعف هاجس الرعب من المستقبل، ولم يعد بالإمكان، حتى لأكثر المحللين السياسيين حنكة ودراية، التنبّؤ بما ستأتي به الأيام القادمة من أحداث وتطورات ومفاجآت.
بعد سقوط دمشق، أصبح الحديث عن تقسيم الشرق الأوسط أكثر رعباً وقُربًا، ومعهما تتضاعف حدة الخوف من القادم، والرعب لما ستؤول إليه الأحوال الأمنية في هذه المنطقة الملتهبة، فها هي إحدى الصحف البريطانية تتناول الوضع في الشرق الأوسط بعد سقوط دمشق من خلال مقال نشره أحد مراسليها بعنوان «تقسيم الشرق الأوسط الجديد لن يجلب السلام»، يقول فيه ان تغيّرات سياسية كبرى تختمر في الشرق الأوسط بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، مُقارِنًا الوضع الراهن بذلك الذي سبق إبرام اتفاقية سايكس بيكو في 1916 عندما اتفقت بريطانيا وفرنسا على تقسيم الإمبراطورية العثمانية.
بينما تقول النيويورك تايمز، ان سقوط الأسد سَيُعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، وأن الوضع الراهن يكتنفه بعض الغموض خاصة في ما يتعلق بقدرة «المعارضة» على ترسيخ سيطرتها، وكيفية إدارتها للأمور، ويخلص المقال إلى أنه بينما لا تزال ملامح المستقبل غير واضحة، فإن سقوط الأسد سيترك بصمة عميقة على المنطقة ما بين رابحين وخاسرين في النظام الإقليمي الناشئ.
الوضع الأمني اليوم في الشرق الأوسط هو فعلاً «خلطبيطة»، لا أحد يعلم على وجه الدقة مَنْ يحارب مَنْ، ولا مَنْ ضد مَنْ، ولا مَنْ متحالف مع مَنْ، «خلطبيطة» هذه بالتعريف الغربي، فوضى خلّاقة، هكذا وصفتها كونداليزا رايس بعد أن هندسها أوباما وهيلاري كلينتون، ومن قبلهم تشرشل، فوضى متعمّدة للأحداث تقوم بها جهات بلا أسماء مُحدّدة، تدفع بالأوضاع لمصلحتهم.
تحدّث عنها المستشرق اليهودي برنارد لويس، والذي يُعتبَر أول من دعا إلى الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط والعالم العربي، حيث رأى ضرورة «الديموقراطية» لمواجهة الإرهاب الإسلامي الراديكالي الذي يُهدّد مصالح الولايات المتحدة.
وبعيداً عن مثل هذه النظريات السياسية والتبريرات الاستراتيجية، يبقى الوضع بالنسبة لنا، نحن المَعنيون بكل خطوة أو قرار يتم اتخاذه أو تنفيذه في المنطقة، يبقى ملغّما بالتكهّنات والفرضيات والغموض، لا يدرك أحد منا بدايته ولا نهايته.
لكن ما بات شبه مؤكد أن الدول العظمى أصبحت ترى فينا كمسلمين وعرب، قوم فوضويين لا يمكن تحضيرهم وبالتالي يتوجّب احتلالهم وتدمير ثقافتهم واستبدالها بأخرى «مُتَحَضّرة» و«مُتَقَدّمة» و«ديموقراطية»، أما الأدوات في سبيل تحقيق ذلك، فلا يهم إن كانت حروباً أو عمليات إبادة جماعية أو تجويعاً أو حصاراً أو قهراً أو إذلالًا.
في مطلع عام 2005، صرّحت كونداليزا رايس، وكانت حينها وزيرة خارجية الولايات المتحدة، في حديث صحافي مع جريدة واشنطن بوست، أن نظرية الفوضى الخلّاقة قد أصبحت أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، فكانت الحرب الأهلية في العراق، وبدأ نشر التنظيمات الإرهابية ودعمها عسكرياً ومالياً، وانتشرت فرق الموت مثل بلاك ووتر وغيرها.
اليوم تتجلى «خلطبيطة» بالمفهوم العربي، والفوضى الخلّاقة بالمفهوم الغربي، في أجلى صورها، فالشرق الأوسط أصبح محكوماً بفوضى لا سراج لها، يحكمها جشع بعض الشركات العملاقة والجيوش والمصارف وتتحكّم في مصيرها أنظمة سياسية خانعة وخائفة وغير قادرة على كبح جماح العنجهية الصهيونية حتى بأضعف الايمان وهو أمر في غاية درجات «خلطبيطة».
عام سعيد وسلام ومحبة وتسامح على الجميع.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية: خلطبيطة-فيلم مصري-التبريرات الاستراتيجية-برنارد لويس
