
من دافوس، المنتجع السويسري الجميل والثري، انطلق المجلس التأسيسي لـ«مجلس السلام» الذي سيضمن استثمارات بقيمة 25 مليار دولار مع إنشاء مطار وميناء جديدين وشبكة طرق وقطارات سيتمتع معه أهل غزة برغد العيش، وسترتفع ناطحات السحاب والمباني الأنيقة والمولات والمطاعم والمقاهي على امتداد ساحل بحر غزة.
ولكن هل سيكون بمحاذاة ناطحات السحاب نصب تذكاري «لروح الروح»، الحفيدة الجميلة التي لم يجد جدها سوى دميتها ليلجأ اليها حين يداهمه الشوق الى حفيدته الشهيدة؟ وهل سيكون هنالك ذكر للشهيد «الأبيضاني اللي شعره كيرلي»، كما وصفته أمه المفجوعة، وهي تبحث في ركام الجثث عن بقاياه؟ هل سيكون لصوت هند رجب، الطفلة التي حاصرتها قوات العدو الصهيوني بعد أن قتلت أهلها جميعهم، قبل أن تستهدفها بمئات الطلقات
من المؤكد أن الإعمار لن يتعدى الناطحات العملاقة والمولات الأنيقة، لن يكون هنالك مكان فيه للشهداء، لكنه سيبقى شهادة صامتة على طغيانهم وجرائمهم بحق الأطفال والشيوخ والنساء والمعابد والمساجد والمستشفيات، وكل شيء، وسيبقى الخوف عالقًا ودائمًا من أن تتحول تلك الذاكرة المؤلمة الى اتهام دائم وإدانة تاريخية مدوّنة في الأدبيات كما في الذاكرة والتاريخ.
بين عامي 1884 و1885، عُقِد مؤتمر برلين لتقسيم أفريقيا، بدعوة من المستشار الألماني آنذاك بسمارك، في ذلك المؤتمر اجتمعت الدول الأوروبية لوضع القواعد بهدف تقسيم افريقيا فيما بينها، وبالفعل حدث التقسيم دون أدنى اعتبار للقبائل أو اللغات أو حتى التاريخ، فاختلطت الدول بشكل أدى فيما بعد لكل النزاعات والحروب الأفريقية، وذلك بسبب ولادة دول هشة بحدود مصطنعة بسبب هذا التقسيم الاستعماري العشوائي.
مؤتمر برلين هذا كان شرعَنَة علنية لمنطق القوة آنذاك، وللعنصرية التي حوّلها المؤتمر الى مبدأ «سيادي قانوني».
أما جوهر الجريمة السياسية هنا، فإن هذا المؤتمر الذي كانت أفريقيا بحدودها ومستقبلها وصراعاتها معنية به وبشكل مباشر، لم يشارك فيه أفريقي واحد، غاب عنه أصحاب الأرض وكل الكيانات السياسية الموجودة في افريقيا بشكل عام، وقد كان الإقصاء هنا متعمدًا، بل كان شرطًا لإتمام مشاريع مؤتمر برلين.
ما يحدث في غزة اليوم، هو تكرار مُعاد لمؤتمر برلين هذا، فقد عارض الكيان الصهيوني مشاركة أي عنصر فلسطيني حتى وإن كان مُمثلًا لسلطة شرعية منتخبة أو معترف بها دوليًا، بمعنى آخر لن تتم دعوة أي شخص من غزة الى طاولة يتم فوقها تقرير مصيره ومصير أهله وشعبه وأرضه وتاريخه، تتم مناقشة «غزة ما بعد الحرب» ويتم وضع الخرائط لإعادة الإعمار، وتجري صياغة الخطط للحفاظ على الأمن، وإدارة شؤون الناس، ولكن بغياب صاحب المكان والحق والمصير، حتى إن صديقاً فلسطينياً سبق أن كان في مجلس إعادة إعمار غزة سابقًا، وكانت له مساهماته البارزة، التي شهد لها كل المشاركين آنذاك في خطة الإعمار، هذا الصديق لا نعلم بعد إن كان سيحظى بالمشاركة بكونه من أصحاب الأرض والمصير، أي من غزة
غزة، اليوم، في الحرب كما في إعادة الحياة، تستمر في فضح النظام الدولي، فالاستعمار القديم يعود وإن كان بلا خرائط مؤتمر برلين التي قسّمت أفريقيا، هذا الواقع لم يمت بل تغيّرت لغته فقط، ولا عزاء هنا لروح الروح، ولا للابيضاني أبو شعر كيرلي، ولا لصوت هند رجب.
