غير مصنف

النفايات.. الثروة السوداء

14 فبراير 2026

يختلف تعاملنا نحن في دول الخليج مع القمامة عن تعامل الأوروبيين معها، فنحن إجمالًا لا نحتك بعملية رفع النفايات والقمامة، وغالباً أكثرنا لا يلقي قمامته بنفسه، بل هنالك من ينوب عنه في هذه المهمة.
في أوروبا يختلف الوضع، حيث نرى وعن قرب كيف تُلقى القمامة وتُفرَز، ومن يقوم بهذه العملية، وهم بالمناسبة في دولة كالنمسا، يتقاضون رواتب مغرية إلى درجة يصبح معها من الصعب الحصول على وظيفة عامل قمامة.
في النمسا، والتي تتمتع بنظام إدارة للقمامة يعد من الأدق والأكثر التزاماً في أوروبا، يختلف الوضع كثيراً، إلى درجة أن فرز القمامة يصبح جزءا من هوية المواطن اليومية، يُعلّم في المدارس ويّمارَس بين الناس، وبشكل أعطاه بعداً أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً، لذلك تتحول القمامة هنا إلى طاقة وسماد ومواد خام جديدة.
يُقال دائماً ان النفايات بشكل عام تُعتَبَر مرآة للنظام الاقتصادي في أي مجتمع، فكلما زادت النفايات، كان ذلك دليلا ومؤشرا على أن المجتمع يُنتج أكثر مما يحتاج ويستهلك أكثر من طاقته.
لا داعي هنا للحديث عن الكويت في ما يتعلق بالقوانين التي تحكم جمع وفرز القمامة، فهي مشكلة وأزمة قديمة لا تزال تدور حول نفسها، خاصة في ظل تصنيف الكويت بكونها من أعلى الدول في انتاج النفايات للفرد، وهي في أغلبها نفايات منزلية.
لكن في المقابل، هنالك عالم كبير وثري جداً في الشقيقة مصر يستدعي الذكر، فعالم الزبالين في مصر يُعتَبَر نظاما اجتماعيا واقتصاديا متكاملا، وقد يكون الوحيد من نوعه في العالم، حتى ان السينما المصرية تناولت، وفي أكثر من عمل درامي، هذا العالم الاقتصادي الخفي والثري في نفس الوقت، مثل فيلم «انتبهوا أيها السادة»، وإن كان أشهرها الفيلم الذي تناول حي الزبالين في منشية ناصر، وهو فيلم وثائقي يتحدث عن الحي كمجتمع متكامل في إعادة التدوير، له أنظمته وقوانينه وصراعاته.
يُقال ان الزبّال مثل الحلّاق، كلاهما صندوق أسود يعكس حركة ونشاط المجتمع من حوله، ويستقطب وجوده ونشاطه حلقة اجتماعية شاسعة ومتباينة، الحلاق طبيب الزبائن الروحاني والنفسي، الكل يُفضي إليه بما يدور في نفسه باعتباره طرفاً محايداً ومستمعاً بلا أحكام مسبقة أو لاحقة، الزبّال كذلك يُعتَبَر أرشيفاً صامتاً لكل ما يدور ويحدث في البيوت والمساكن والشقق، فكل ما نتخلّص منه في حاويات القمامة يروي شيئاً من حياتنا ويصنف طبقاتنا، ويتناول أنماط حياتنا ومزاجنا وما نحب وما لا نحب، وهكذا.
القمامة، كما يُطلق عليها، سواء في المجتمعات التي تُقدّر قيمتها أو في تلك التي ترى فيها عبئاً، هي ذهب اسود غير مرئي في أحيان كثيرة، ثروة حقيقية لا تسردها احصائيات المحللين الاقتصاديين ولا يرد ذكرها في نشرات الأخبار الاقتصادية، ولا يتم التعامل معها في بورصات المال والأعمال، لكنها تبقى ثروة يتنافس حولها الفقير المُعدَم، والثري المُتخَم، فالسيطرة على النفايات تعني سيطرة على قطاع اقتصادي ثري، وإن كان غير مرئي، سيطرة على المساحات والأراضي وعلى العمالة، وعلى عقود رفعها وفرزها وتحويلها من أوساخ إلى قيمة مادية تقدر بأموال طائلة.
وظيفة الزبّال تختلف ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً بيننا نحن في العالم العربي وبين الغرب، عندهم هي مهنة بعائد سخي وعقود قانونية مثبتة وتأمين، بينما في الثقافة العربية، تكون مهنة الزبّال هامشية، لا يحميها قانون ولا تأمين ولا أوراق، لكنها قد تبقى شاهداً على درجة الظلم الوظيفي والطبقي والاقتصادي في مجتمعاتنا

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى