غير مصنف

إبستين وتوظيف الفضيحة

7 فبراير 2026

انشغلت الصحافة المصرية في سبعينيات القرن الماضي بخبر سقوط شبكة للآداب، تضم عددًا من الفنانات، وتديرها فنانة شهيرة. تناولت وقتها التغطيات الإعلامية تفاصيل صادمة حول قضايا أخلاقية، فيها شخصيات ذات نفوذ.
قيل حينها أن تلك الشبكة لم تكن حديثة، وإنما كانت القضية برمتها استدعاء لقضية مشابهة حدثت إبان العصر الملكي، وأن الأسباب وراء استدعائها في السبعينيات كان بهدف تحويل بوصلة الوعي الاجتماعي عن تضخم الأسعار، والفجوة الطبقية المتزايدة، وسياسة الانفتاح بشكل عام، وبالفعل فقد انحرف حينها الرأي العام، وانشغل الناس بمتابعة تفاصيل شبكة الآداب القادمة من الماضي، بدلًا من مراقبة فساد الحاضر، وتحولت مشاكل الشارع عن الفقر والبطالة والدعوم وغيرها، لتصبح المشكلة الأساسية أزمة أخلاق وأدب وشبكة آداب تم الكشف عنها.
اليوم يحدث شيء مشابه في قضية إبستين، التي تحولت من قضية شبكة دعارة ومتاجرة بالقاصرات، الى جريمة سياسية وعابرة للقارات، يتم فيها استخدام المال والنفوذ والسلطة والابتزاز والاستخبارات وأدوات التجسس، بحيث تحوّل غضب الناس، من الحروب والانتهاكات التي تتم يوميًا في أكثر من بقعة في العالم، إلى متابعة فضائح إبستين وجماعته، وأصبح متابعو ملفات إبستين يفوق عددهم متابعي جرائم الكيان الصهيوني في غزة والضفة ولبنان، وتراجعت متابعة الناس لتكالب النظام الدولي على الدول المُنهَكَة والمرهقة سياسياً واقتصادياً، كالسودان والصومال واليمن وغيرها.
ما يثير الجدل في ملفات إبستين، وكما أصبح يطلق عليها، ليس ما ورد فيها من تفاصيل عن ضحايا من الفتيات القصّر، وإنما لكونها تحولت من جريمة أخلاقية الى أداة ضغط سياسي ونفوذ استخباراتي، واتهامات متبادلة بين دول ورموز سياسية ومتنفذين.
عبر التاريخ تمت الاستعانة بالفضائح الأخلاقية لإعادة تشكيل الواقع السياسي أو الاقتصادي، أو لتحويل وجهة الوعي المجتمعي، وبحيث يتحول الرأي العام عن القضايا الجوهرية ليتشبث بتفاصيل قضايا هامشية، قد تُشكّل إضافة لمسار الأحداث، لكنها لا تحوي كل تفاصيلها.
الفضائح، وخاصة الأخلاقية منها، لا تخلق واقعاً بمفردها، وانما ترسم واقعًا افتراضيًا يسير بموازاة الأحداث الجوهرية، ويعمل على تجريدها شيئًا فشيئًا من رمزيتها وخلاصتها، فالغضب العالمي تجاه ما يحدث في غزة وغيرها من دمار وحرق وقتل واستنزاف للأرض وللإنسان، حوّلته فضائح وملفات إبستين الى فضول، عبّر عنه الملايين عبر وسائل تواصل جعلت الخبر يحط في كل بقعة من العالم.
حين تتحول الأزمات السياسية وجرائم الحروب وتداعياتها عن إطارها السياسي، لتدخل في متاهة القضايا الأخلاقية، سواء في حالة الفنانة أو إبستين، وحين تصبح القضية في فرد بدلًا من مؤسسات ومنظومة وقضايا جوهرية تمس الشعوب والأوطان، لا بد وأن ينحرف المسار وتتحول معه جرائم الحروب والإبادة ومشاكل الفقر والبطالة والتفاوت الطبقي، من إطارها السياسي بشكل عام لترتدي إطارًا أخلاقيًا يختزل الجرائم الحقيقية في أفراد فقط.
يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: «إن الفضيحة ليست خروجاً عن النظام، بل أداة من أدواته، هي جزء من إدارة الانحراف وليس القضاء عليه».

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى