الأرشيف

ثلاثية الاختلاط 3-3

[جريدة القبس 26/2/2008]

سأختم عزيزي القارئ ثلاثية الاختلاط بالمدارس الخاصة، فأقول: حين أرسلت أكبر أبنائي إلى مدرسة خاصة في بداية الثمانينيات، لم يكن هدفي نظاماً ذا تعليم مشترك، وإنما كان الهدف الأول حماية أبنائي من تعليم هش لا ينمي قدرات، ولا يؤهل الأبناء لمستقبل قادم بتحديات كبيرة!
فمع بداية الثمانينيات، وبالتحديد بعدما سيطرت قوى التخلف واختُطفت وزارة التربية بطاقمها وبمناهجها وبمخرجاتها، لجأت – كما لجأ غيري – إلى المدارس الخاصة ذات التعليم المشترك، لم تكن آنذاك نسبة الكويتيين في المدارس الخاصة كبيرة، بل كانوا أقلية وسط جمع من الإخوة العرب والأشقاء من دول العالم كافة، وكانت تنشئة هؤلاء جميعاً في بيئة تعليمية طبيعية وبعيدة عن التناقضات والظنون والرؤى غير السوية للجنس الآخر!
وأدركت في ما بعد صواب اختياري حين أتاني أحد أبنائي، ولم يكن قد تجاوز الثانية عشرة، متذمراً ومستغرباً تصرف وشعور أحد أصدقائه من خارج دائرة التعليم الخاص تجاه زميلات لابني في المدرسة! يومها قال ابني وهو في تلك المرحلة من العمر إنه لم يخطر بباله يوماً أن ينظر إلى أولئك الزميلات إلا كونهن زميلات دراسة فقط لا غير!
لن يستطيع أحد من المتذمرين من التعليم المشترك في المدارس الخاصة أن ينكر جودة التعليم فيها، وتميز الطلبة الخريجين فيها، ونضجهم نفسياً وثقافياً، وسأذكر هنا مثالاً واحداً فقط على هذا الواقع لعلّ الإخوة المتذمرين يدركون في ضوئه فحوى ما أعنيه!
ففي إحدى مجموعاتي الطلابية في جامعة الكويت من خريجي مدارس الحكومة، تضمنت محاضرة قراءة نص عن “نابليون بونابرت”، بالطبع لم أجرؤ على سؤال الطلبة عن هويته قبل قراءة النص، لأني افترضت – خطأ – أنه شخصية تاريخية لا يمكن أن تخفى على طلبة جامعة، لكن المفاجأة كانت في جهل الطلبة، وعددهم يقارب ثلاثين طالباً، بنابليون، بل إن المصيبة الكبرى أن ثلاثة طلبة تطوعوا للإجابة، وكانت إجابة أحدهم بأن نابليون مصمم أزياء، أما زميلاه الآخران فقد قالا إن نابليون لاعب كرة! وفي المقابل تسرد لي ابنتي الطالبة في مدرسة الكويت الإنكليزية ذات التعليم المشترك والمنهج المتطور، التي لم يكن عمرها قد تجاوز العاشرة، تاريخ نابليون ومعاركه وانتصاراته، وهزائمه، بل حتى الجدل الذي لايزال دائراً حول ظروف وفاته!
إن المدارس الخاصة ذات التعليم المشترك قد أثبتت بالتجربة ومن خلال ما يلمسه التربويون من مفرزات ونتاج ملموس، أنها قد استطاعت أن تؤهل الأبناء في بيئة طبيعية صحيحة، وأن تؤمن لهم قدراً كبيراً من الثقة بالنفس وبالقدرات، وذلك بالتحديد ما مكّن هؤلاء الأبناء من تحقيق قدر فائق من الوعي والإدراك لذواتهم، وبالتالي اقتحامهم مجالات مختلفة بتنافس وحماس كثيراً ما يفتقدهما أبناء التعليم الحكومي بفعل تخلف المناهج، وأساليب التعليم، والطرق المتبعة في التدريس من قبل بعض الهيئات التدريسية!
لا علاقة إذاً على الإطلاق بين التفسخ الأخلاقي والانحلال الذي يحذر منه بعض ذوي العقول المريضة، وبين التعليم المشترك، بل لعل الأمر بخلاف ذلك تماماً، وقضايا المخافر والمعالجون النفسانيون يؤكدون تلك الحقيقة التي يحاول أصحاب القلوب والعقول المريضة أن يروجوا لها وأن يبتزوا المجتمع الكويتي المحافظ ويحذروه منها! فالعلاقة بين منع الاختلاط والحصانة الأخلاقية هي الورقة المزيفة التي طالما رفعها تيار التخلف كي لا يخسر معركته الأم، هذه المعركة التي مكنته من إحكام قبضته وبشراسة على شؤون الخلق ومستقبل الناشئة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى