غير مصنف

الانتخابات الطلابية

[جريدة القبس 14/9/2024]

مع نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، انطلق العمل النقابي في الكويت، وقد جاءت البداية مع ظهور النفط، وتنامي الوعي حينها لدى العمال، بضرورة أن تكون هناك جهة مخوّلة لتتحدث على لسانهم، وتدافع عن حقوقهم، وحدثت حينها خلافات بين العمال والشركات الأجنبية، وهذه تفاصيل يطول سردها.
العمل النقابي في الكويت بدأ رسمياً مع إعلان الدستور عام 1962، حيث منح الدستور العمال حرية تكوين النقابات والانضمام إليها، وحسب ما ورد فيه، فإن حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أساس وطني وبالوسائل السلمية مكفولة وفقاً للشروط والأحكام التي يحدّدها القانون. وفي ديسمبر من عام 1964 نشأت المنظمة الطلابية، التي لعبت دورها في تمثيل طلاب وطالبات دولة الكويت الدراسين في الداخل والخارج، وقد تكوّن اتحاد الطلبة من أفرع عدة، تُدار بهيئات إدارية مُنتَخَبَة سنوياً، أكبرها هو فرع جامعة الكويت، أما أول تلك الأفرع فقد كان في مصر ولبنان وبريطانيا، هذا بالإضافة إلى تشكيل أفرع للاتحاد في أستراليا وكندا والولايات المتحدة والأردن.
مارس ويمارس الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، وعِبر كل أفرعه، أنشطة مختلفة تسعى دائماً إلى رفع اسم الكويت وتمثيلها طُلابياً. آخرها كان في ذكرى الاستقلال الـ63، والذكرى الـ33 ليوم التحرير، حيث تم افتتاح مقر ومتحف الاتحاد الوطني لطلبة الكويت ـ فرع المملكة المتحدة، الذي أشاد به سفير الكويت، وبكونه خير تمثيل، ويستحق المكافأة والدعم، وذلك عملاً بتوصيات صاحب السمو أمير البلاد.
لم يخلُ العمل النقابي، وخاصة الطلابي منه، من عثرات وسلبيات، يأتي على رأسها الانحراف عن العمل والنشاط الوطني الخالص لمصلحة الانتماءات الضيّقة، كالطائفية والقبلية، وبشكل طالما دفع البعض، سواء من داخل الحرم الجامعي أو من خارجه، إلى التحذير من مثل هذا الانحراف والفوضى، اللذين أصبحت تشهدهما بعض الحملات الانتخابية الطلابية، لكن ذلك لا يعني على الإطلاق مطالِب ذلك البعض بضرورة حظر الانتخابات الطلابية، وليسمح لي القارئ الكريم بأن استشهد بتجربة شخصية عِبر ما يقارب الأربعة عقود من العمل الأكاديمي. فالحماس النقابي، الذي كان يرصده أي متابع للانتخابات من داخل الحرم الجامعي، هو بحد ذاته مكسب يصقل شخصية الطالب الفرد ويُعدّه للمجتمع الأكبر خارج أسوار الجامعة، والفرق الشاسع في الحوار أو النقاش، مع طالب جامعي كويتي، وآخر من خارج الكويت، يعكس مدى تأثير مثل هذا الوعي النقابي في بناء وتأسيس وصقل شخصية الطالب.
ظاهرتا القبلية والطائفية لن تختفيا بمجرد إلغاء الانتخابات الطلابية، والأهازيج والمصطلحات القبلية لن يقوّمها حجب حق الطالب في المشاركة بانتخابات الجامعة، فهدفنا جميعاً، كطلبة وأساتذة، هو ترسيخ مبادئ الدولة المدنية وتعزيز الوطنية والانتماء الحقيقي، ولا يمكن لمثل هذه الأهداف أن تَتَحقّق إلا من خلال المُمارَسَة المستمرة، التي ستؤدي حتماً إلى النضج.
لقد أضاء الوعي النقابي الراسخ في النفس الكويتية سماء الغزو السوداء، حين قام المواطنون حينها بتنظيم صفوفهم وتوزيع أدوارهم، بشكل أدى إلى استمرار الحياة حينها، رغم كل أشكال وأوجه الصعاب التي كانت سائدة، منطلقين من وعي نقابي وتنظيمي، مارسه أغلبهم في المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.
ثلاثة لاءات أطلقها المطالبون بإصلاح الحركة الطلابية: لا لتجاوز مبادئ الدولة المدنية، ولا للفئوية والطائفية، ولا للمصالح الضيّقة، مع إضافة ثلاثة مطالب: الأول هو ضرورة غرس الانتماء في نفوس الأجيال، والثاني تنقية الانتخابات الطلابية من السلبيات، والثالث تعزيز الوعي بمبادئ الدولة المدنية. كلها لاءات ومطالب مُستَحَقة، لكنها لا يمكن أن تَتَحقّق إلا بالممارسة التي هي المعول الأساسي في إصلاح وتقويم وإنضاج أي تجربة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى