الأرشيف

الدكتور فلان.. كان طالباً!!

[جريدة القبس 4/1/1994]

أجرت جريدة “القبس” بحثاً ميدانياً وتجربة مرفقة بمقابلات أجرتها مع طلبة في جامعة الوطن، وأساتذة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة.. وقد كان التحقيق بشأن ظاهرة المكاتب التجارية التي أصبحت منتشرة لإعداد وكتابة البحوث لطلبة الجامعة.
القضية ولا شك خطيرة، فهي تصيب المجتمع في صميم هيكله العلمي والتربوي، إضافة إلى كون المشمولين في القضية هم أهم شريحة في الوطن ومن خلالهم يتم التنبؤ بمستقبله.
القضية ولا شك لها أبعادها الاجتماعية والتربوية وليس العلمية وحسب.. فمظاهر الغش والتلاعب المحيطة ببيئة الطالب، تجعل من مسألة غشه في إعداد البحث قضية ثانوية.. على الأقل بتصوره الشخصي.
فالذين يتحايلون على القانون ويتمادون في الغش من حوله هم الذين يستطيعون حقاً أن يتبوأوا المناصب الأعلى وأن يحصلوا على أفضل العروض خاصة بعد أن أصبحت بيئة الوطن عموماً تصف المتحايل والمتجاوز بكونه إنساناً ناضجاً، يعرف جيداً كيف يخترق العراقيل التي تفرضها القوانين والأخلاقيات المجتمعية.
والطلبة الذين يتجاوزون الأعراف والقوانين التعليمية، هم ولا شك نتاج طبيعي لمجتمع دأب على التجاوز والتلاعب كقاعدة وأسلوب أضمن في تحقيق الأهداف، لذا فإنه من اللامنطقي أن نفصل قضية المتاجرة بالأبحاث والتحايل والغش في متطلبات وأسس البحث العلمي عن سائر الأفعال المشابهة في المجتمع خارج أسوار الجامعة!! وذلك بالطبع ليس محاولة للدفاع عن ظاهرة خطيرة كهذه.. ولا لتبرير أو صياغة حق للطالب في مجاراته لمناخ الفساد المسيطر على بيئة الوطن، وإنما هو تذكير وتأكيد على وجوب التصدي لظواهر كهذه، وبترها من جذورها. وأن مظاهر فساد كهذه أو غيرها، قد أصبحت جزءاً من المجتمع، والمتاجرة بالبحوث من قبل طلبة الجامعة ليست سوى نتيجة لمناخ الفساد الذي أصبح يسود المجتمع.
لعلّ ما يثير القلق هنا في قضية تجارة البحوث، هو الأسلوب الذي تعامل به المعلم أو عضو هيئة التدريس مع هذه المشكلة، فمن خلال الحديث الذي أدلى به بعض الطلبة في تحقيق “القبس” يتضح أن تساهل المعلم وقبوله لهذه الأبحاث على الرغم من علمه مسبقاً بأنها ليست نتاج الطالب نفسه، وكان لهما الأثر الأكبر في الإبقاء على ذلك السلوك قائماً، واستمرار مكاتب البحوث التجارية في اقتحام أخلاقيات الجامعة الأكاديمية.
وبما أن المعلم هو أساس لأي عملية تعليمية، فإن الخلل الذي يعلق به يصبح ولا شك طاغياً على أي عملية إصلاحية للتعليم بوجه عام. لذا، فإن قبول أي عضو هيئة تدريس لبحث يعلم مسبقاً مصادره بحكم علاقته التعليمية بالطالب، هو أساس المشكلة هنا وليس سلوك الطالب، خاصة وأن الطالب وهو لا يزال في مرحلة تأهيل لخدمة الوطن، بالإمكان تهذيب وترشيد سلوكه العملي كما العلمي، وهي مسألة يفترض بالقائم على العملية التعليمية أن يكون قد تجاوزها بمراحل.
ولا يفوتنا بالطبع هنا أن نذكر بقضية استمرارية السلوك سواء من ناحية الطالب أو المعلم، فطالب الجامعة الذي يستعين بتلك المكاتب للحصول على تميز علمي، وقد سبق وأن استعان بذات الأسلوب في المراحل الدراسية السابقة. ولعلّ في قضية البحوث أو ما يسمى بالـ “Project” في أنظمة ثانويات المقررات، ما يؤكد ذلك. فالمكاتب التي يستعين بها طالب الثانوي معروفة، وأسعار البحوث معلنة وليست خافية عن المسؤولين عن العملية التعليمية في الوطن، بل لقد طُرحت القضية من قَبل كأحد معوقات نجاح نظام المقررات، إضافة إلى أن المعلم في المدارس الثانوية يشجع صراحة على ذلك.. بل إن البعض يطلب الاستعانة بمكاتب معينة لإعداد البحث!!
القضية بأكملها هي قضية فساد ولا شك..
ولعلّ ما يثير القلق والحزن معاً أنها قضية فساد تصيب الوطن في صميمه وفي أساس بنائه، وهي كذلك تطرح تساؤلات كثيراً ما طرحت حول أهداف التعليم في هذا الوطن.. خاصة وأن اللهفة التي أبداها الطلبة على اتمام المرحلة الجامعية بأي شكل وصورة، والتي كانت واضحة من حديثهم عن أسباب لجوئهم إلى ذلك السلوك، والإصرار على تجاوزهم هذه المرحلة التعليمية، أساسه ما يوفره المجتمع من مميزات اجتماعية ومادية لكل درجة علمية!! خاصة بعد أن أصبحت شهادات كالدكتوراه مثلاً.. رمزاً لمكانة اجتماعية مرموقة.. وجواز مرور لتسهيلات في المعيشة والعمل.
القضية التي فتحتها “القبس” بإثارتها لقضية مكاتب البحوث.. ما هي إلا ذيول لمشكلة تغوص جذورها في أعماق إدراكنا لماهية التعليم والمعرفة بوجه عام، ومع كون التحقيق قد خص الجامعة بشكل محدد، إلا أن القضية أساساً قضية فهم خاطئ من قبل المجتمع.. والدولة بمؤسساتها.. لأولويات الإصلاح في بنية المجتمع.. فمن دون سياسة تعليمية محددة الأهداف وواضحة المعالم، لن يكون بإمكاننا بناء لبنة واحدة في هذا الوطن، ومن دون اعتبار للتعليم والمعلم بصفة خاصة.. لن يمكننا أن نفتح صفحة واحدة على العالم من حولنا الذي أصبح يلهث في دروب الإنجازات العلمية والثقافية.. وأخيراً.. لا آخراً من دون معالجة جذرية للقضايا التعليمية، ستبقى كل المشاكل في الجهاز التعليمي كعش العنكبوت في امتداده وترابطه.. خاصة إذا ما أدركنا أن واحداً على الأقل من هؤلاء الطلبة الذين يلجأون إلى مكاتب البحوث التجارية.. لا بد وأن يأتي يوم ويصبح الدكتور فلان!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى