
لا يكاد يمر فصل دراسي واحد في جامعة الوطن.. دون أن تثار مشكلة التسجيل!! فعلى الرغم من الأخذ بالتكنولوجيا الحديثة مؤخراً.. والاستعانة بالعقول الإلكترونية وإنجاز التسجيل في الجامعة للفصل الدراسي الحالي بواسطة الكمبيوتر!! غير أن العقول البشرية على ما يبدو هي المعوق الأساسي وراء مشاكل التسجيل السابقة! خاصة بعد أن أثبتت إخفاقات عملية التسجيل الآلية الأخيرة أن المشكلة ليست فنية.. بقدر ما هي مشكلة أهواء.. وعلاقات.. بشرية بحتة!!
التحوّل نحو التكنولوجيا والحداثة في جامعة الوطن، والذي تجلّى في عملية التسجيل الأخيرة، أثار قضيتين رئيسيتين داخل الحرم الجامعي.
الأولى: تتعلّق بالجدل المستمر حول أهداف العملية التعليمية في الجامعة، وهو جدل قديم يتجدد كل عام.
أما الثانية: فهي قضية لا تقتصر على الجامعة فحسب، وإن كانت آثارها محسوسة فيها بوضوح نظراً لأهمية الجامعة الثقافية في المجتمع، وهي قضية التأهيل والإعداد.
لا شك أن أهداف العملية التعليمية، بشكل عام، كانت ولا تزال قضية معلّقة. صحيح أنها أقل إشكالاً في مراحل التعليم العام، حيث يمكن تحديد الأهداف بوضوح: إعداد الفرد وتلقينه المبادئ الأساسية للتعلّم من قراءة وكتابة، وهي أدوات تُمكّنه لاحقاً من التوسع المعرفي.
أما في التعليم العالي، فالأمر أكثر تعقيداً، لأنه غير إلزامي بطبيعته، ويُعد أولى خطوات الفرد نحو الاندماج في المجتمع، بما يحمله من قضايا وتحديات ومسؤوليات.
من هنا، أصبحت مبادئ الانتظام والالتزام بالقوانين المجتمعية في إطار التعليم العالي، ذات أهمية جوهرية، لا تقل عن أهمية القراءة والكتابة في مراحل التعليم الأولى.
ولعلّ من أهم أهداف العملية التعليمية في المرحلة الجامعية ما يتعلق بتدريب الطالب على التمتع بالحرية التي يوفرها المناخ الجامعي مقارنة بما سبق من مراحل تعليمية وهي حرية تضبطها قوانين تؤهل الطالب لأن يرسم على ضوئها أسلوبه في التعامل والتعاطي مع المجتمع خارج أسوار الجامعة!! المشكلة التي يواجهها الطالب.. ليست في القوانين بحد ذاتها.. وإنما مشكلته مع مخترقي القوانين!! والذين على ما يبدو قد أثارتهم تكنولوجيا التسجيل الأخيرة.. فقاموا بعرقلتها!! خاصة وأن الكمبيوتر لا يأبه بالأهواء البشرية.. ويجهل العلاقات الأسرية.. وروابط القربى والمصالح المشتركة!! التجاوزات الأخيرة في التسجيل الجامعي رغم تحكيم التكنولوجيا تدفع بنا جميعاً إلى التشكك بدور الجامعة كمؤسسة لتأهيل الفرد وإعداده للانخراط في المجتمع بنظمه وقوانينه!! وهي تجاوزات أصبحت تدفع بالطلبة إلى التساؤل عن جدوى وضع قوانين تتعلق بالساعات الدراسية وبالقدرة الاستيعابية لبعض المقررات!! طالما أنها عرضة للتجاوز من أصحاب القانون أنفسهم!!
تتعلق القضية الثانية، والتي أثارها نظام التسجيل الأخير، بأهمية الإعداد والتأهيل قبل الأخذ بالتطبيق لأية مشاريع سواء كانت فنية أم إدارية أم أكاديمية!! فقد كان بإمكان الجامعة بأجهزتها الإدارية والأكاديمية أن تتفادى تلك الإخفاقات في التسجيل.. وذلك بتأهيل الطالب والمدرس.. والإداري في الجامعة.. وإعدادهم للنظام الجديد قبل البدء بعملية التطبيق!! خاصة وإنها ليست التجربة الأولى للجامعة.. فموظفوها وطلابها.. ومعلموها لهم تجاربهم مع إخفاقات مشابهة لمأساة التسجيل الأخيرة.. بسبب غياب عنصر الإعداد والتأهيل!! فالجامعة تمتلئ بالمعامل والأجهزة فائقة الدقة.. والتي تم جلبها.. دون أن يسبق ذلك مرحلة إعداد برامج.. أو مناهج ملائمة!! فعلى سبيل المثال لا الحصر.. تم جلب معامل لتعليم اللغة، فائقة التكلفة، ودقيقة التشغيل، دون أن يكون هناك شاغر وظيفي لإحضار فني أو مشغل لتلك المعامل اللغوية المتطورة.. ودون أن تكون هناك برامج تعليمية.. مخصصة للاستخدام المعملي!!
مثال بسيط وإن كان يحمل دلالة ومؤشراً واضحين للتخبط الذي تعاني منه الجامعة في تطبيق خططها ومشاريعها الإدارية!! خاصة وأن الجامعة توشك أن تتم العقد الثالث من عمرها.. دون أن تتجاوز بعد مشاكل البداية ليبقى التسجيل الجامعي.. مشكلة فصلية بلا حل!!
