
في لقاء عقدته مديرة الجامعة مع عمداء كليات التربية بجامعات مجلس التعاون، أكدت الدكتورة فايزة الخرافي على أن كلية التربية تعد من أهم كليات الجامعة، لأنها تقوم برسالة سامية هي إعداد المعلم الذي يُعدّ أساس العملية التعليمية.. مشيرة إلى أنه لا جدوى من وجود مناهج جيدة وكتب جيدة دون وجود المعلم الجيد!!
لقد أسقطت مديرة الجامعة هالة من الضوء على قضية جوهرية وشائكة تمس صميم العمل والنتاج التعليمي!! فعلى الرغم من أن هنالك جوانب أخرى عديدة في الجهاز التعليمي بوجه عام، غير أن قضية المعلم كانت وستبقى الأكثر حساسية!!
نحن هنا نعاني ولا شك من جوانب سلبية عديدة في مسارنا التعليمي!! نعيها جميعاً سواء أكنا طلبة أم أولياء أمور أم قائمين على إعداد وإدارة وإشراف سير العملية التربوية التعليمية!
وتلك كلها مشاكل نبعت من سياسات سابقة خاطئة، أفدحها كان في العشوائية التي تم من خلالها إعداد المعلم!! حيث أباحت الضرورة حينها – ونعني هنا ضرورة تأهيل المواطن للإشراف على العملية التعليمية – أباحت تدنياً كبيراً في رسم متطلبات المعلم.. والشروط الواجب توافرها في من يقوم بإعداد أجيال وأجيال من أبناء الوطن!!
نحن جميعاً نقرّ بأن بدايتنا في إعداد المعلم كانت خاطئة.. حيث كان الإعداد العلمي للمعلم آنذاك متواضعاً جداً.. مما جعل التهافت الرسمي والفردي على شغر هذه المهنة متسارعاً.. أدى بنا إلى ما نراه الآن من نتائج!! غير أن بإمكاننا الآن أن نتفادى بعضاً من تلك السلبيات من خلال برامج وخطط تقييم تُعيد للجهاز التعليمي مكانته ورمزه الذي كان سائداً.. ويجب أن يكون!! فالمعلم، بالإضافة إلى وظيفته المحددة بتلقين المعلومة وإعداد الامتحان وغير ذلك من جوانب فنية بحتة، هو بلا شك رمز وقدوة للطالب، خاصة في مراحل التعليم المبكرة والتي خطت بالجانب الأكبر من تلك السلبيات!!
وإذا كان المعلم في تلك المرحلة الابتدائية قدوة ومثالاً، فهو رمز للتحصيل العلمي.. والمقدرة المعلوماتية في مراحل التعليم المتقدمة.. كالتعليم الجامعي والذي بدأ يعاني من تخبط في سياسة مشابهة لسياسة إعداد المعلم الأولى!!
في بداية النهضة التعليمية جاءت استعانتنا بالمعلم الوافد كخطوة طبيعية وناضجة نحو بناء جسد تعليمي قوي ومتماسك!! فالتعليم مهنة لا وظيفة وحسب!! والمهنة لا تكون ناضجة إلا بالتراكم العددي لسنوات العمل في ذلك المجال!! وهو ما أدركناه في بداية خطواتنا التعليمية!! فكان من نتائجه ثمر يدركه أولئك الذين نشأوا.. وتكون محصولهم العلمي والثقافي.. على يد متمرسين ممتهنين للتعليم!! قبل أن تأتي طفرة التكويت لتطيح بذلك البناء في بداياته!!
الآن نحن نواجه مصيراً مشابهاً لما واجهناه في التعليم الابتدائي.. وذلك في التعليم العالي والجامعي!! حيث يجري تكويت عشوائي آخر للهيئة التعليمية في الجامعة!! وحتى لا يساء الفهم هنا، فإن النقد ليس موجهاً لقضية تكويت الوظائف.. بكونها واجباً وطنياً!! وإنما اعتراض على تكويت المهن!! كالطب والتعليم مثلاً!! وإذا كان من السهل تقييم الطبيب نظراً لطبيعة مهنة الطب بوجه عام!! فإن التعليم خاصة الجامعي منه لا يخضع لخطط تقييم واضحة، مما يجعل التأكيد على شرط الممارسة مدخلاً آمناً للاختيار.. كما للتقييم وذلك في حالة التعليم!!
هناك مهن يعتبرها العالم من حولنا مهناً بلا حدود وبلا عرق أو جنس!! لكونها تتعلق بالمصير البشري بشكل عام!! ولكون عوائدها، سلبية كانت أم إيجابية، تمس الوجود والعقل البشري مما يعمم نتاجها.. ومعطياتها!! والتعليم كما التطبيب هو مهنة بلا حدود ولا جغرافيا!! فللهندسة ثقافتها، وللعمارة حضارتها، وللفنون والرسوم ملامحها العرقية وجوازات سفرها التي تحدد أفرادها!! لكن الجسد البشري والمرض الإنساني واحد!! كذلك التعليم باعتباره وسيلة لإعداد الفرد.. وسبيلاً لإثراء المجتمع بالفاعلين المنتجين والعاملين.. هو مخطط بشري واحد!!
التحديات من حولنا تتطلب جدية أكثر في معالجة مشاكلنا التعليمية، وإذا كانت مديرة الجامعة قد ساهمت مشكورة في إثارتها لدور المعلم البارز.. فالمطلوب مساهمة أخرى لوضع شروط ومعايير يعود معها المعلم ليكون قدوة علمياً وأدبياً!!
