
هذا المقال ليس دفاعاً عن الدكتورة شيخة الجاسم، فهي تملك المقدرة والثقة في الرد على من استغلوا رؤيتها وكالوا لها أبشع الصفات، واتهموها بأن ما قالته يشكل هجوماً على القرآن كنص مقدس!
هذا المقال كما قلت ليس دفاعاً عنها، وإنما هو دعوة إلى بعض أصحاب العقول المغلقة والفتاوى المعلبة للانفتاح على قضية عمرها عمر الدعوة المحمدية!
مسألة القراءة المعاصرة للقرآن التي تهدف إلى حفظ النص وقابليته للاستمرار في كل زمان ومكان، وملاءمته لأي ظرف طارئ هي مسألة لم تبدأ كما يدعي البعض من “العلمانيين” ولا من “الليبراليين”، بل تعود في بدايتها إلى أبعد من ذلك بكثير! تعود إلى أول العلمانيين في الإسلام باعتقادي، الذين زاوجوا بين الحفاظ على قدسية النص، وبين التأويل الذي يتماشى مع مستجدات المرحلة! تعود إلى عمر بن الخطاب الذي لا يزايد على مكانته في الإسلام!
عمر الذي استطاع أن يخفف من حالة الانقسام حين اجتمع جمهور المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، حين استطاع أمام جمهرة من المسلمين أن يختار أبا بكر خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول c وذلك بعد أن وجد أن المصلحة العامة في تلك المرحلة العصيبة تقتضي اختيار أبي بكر، مستنداً إلى قواعد في الإسلام، إحداها قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأخرى تقول بارتكاب أخف الضررين واحتمال أدنى المفسدتين وعوامل أخرى، وجد عمر إذاً في تلك القواعد مخرجاً له باختياره أبا بكر للخلافة!، بهدف جلب المصلحة للأمة الإسلامية بعدم تعرضها للفرقة!
والمصلحة العامة هي التي دفعت عمر إلى ذلك! تماماً كما قام فيما بعد وأثناء خلافته بوقف حد السرقة في عام الرمادة أو عام المجاعة.
وفي ذلك ما يشير إلى أن عمر بن الخطاب لم يقف عند المحتوى العام للنص، وإنما تجاوزه إلى العلة والسبب، والعلة في هذه الحالة هي أساس الحكم، وليس تطبيق آية جاءت بصورة عامة! كذلك عطّل عمر التعزير بالجلد في شرب الخمر في الحروب، لأنه رأى في ظروف الحرب ظروفاً مختلفة عن تلك في زمن السلم! ولعمر أيضاً يُنسب وقف العمل بالآية التي تنص على ﵟإِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠ﵞ ﵝالتَّوۡبَة : ﵐﵖﵜ F، فقد أوقف عمر سهم المؤلفة قلوبهم، على الرغم من أن القرآن قد كفل لهم ذلك الحق، فإن عمر رأى أن العلة لم تعد قائمة بعد انتشار الإسلام.
ما قالته د. شيخة الجاسم نص عليه الدستور قبل أن تذكره في اللقاء التلفزيوني، فالدستور ينص على أنه المرجع الرئيسي للتشريع، كون نظام الدولة ديمقراطياً! وإذا كان عمر بن الخطاب، وهو الذي عاصر الرسول c وأصبح خليفة للمسلمين، وعاش فجر الإسلام قد وجد نفسه مرغماً حفاظاً على القرآن أن يوقف بعض ما جاء فيه من أحكام، درءاً لمفسدة وجلباً لمصلحة، فماذا نقول نحن اليوم، وقد أصبحت تتحدانا كل يوم أمور يصعب علينا الفصل فيها إلا من خلال دساتير موضوعة؟!
