الأرشيف

التسامح.. والموروث الديني

[جريدة القبس 17/1/2017]

الدعوة إلى التسامح، خصوصاً في نطاق الأديان والمعتقدات، أصبحت دعوة ملحة في ظل ما يشهده العالم اليوم من تطرف وغلو في المعتقد، ومن نزعة إلى إلغاء الآخر ونفيه، باعتباره عقيدة تهدد وجوده وثوابته.
مؤتمرات ودعوات وبرامج عديدة حاولت، ولا تزال، خلق إطار معقول من التسامح بين الأديان، لكنها قطعاً لم تحقق الكثير من أهدافها، بدليل أن التمترس خلف الطائفة والعقيدة آخذ في الازدياد وليس في التراجع.
الموروث الديني في جميع الثقافات هو بلا شك موروث تراكمي ومعرفي وعقائدي، وآلية تخزينه من الوعي غالًبا ما تكون شفهية ومعلبة، فيها من الإملاء الكثير، وهي هنا تفرز شريحة مخولة لأداء مهمة التخزين والتلقين، لذلك فهي تكتسب مع الوقت والممارسة قيمة اجتماعية! مثل هذه القيمة أدت في ظل التطور التاريخي للأديان إلى ظهور أجهزة ومؤسسات عقائدية ضخمة، تملك من السلطات والأموال والنفوذ ما خولها لأن تؤدي أدواراً سياسية واقتصادية مهمة في جميع المجتمعات البشرية!
الثورة الصناعية كان لها دور أساسي في اختراق مثل هذه السلطة، وذلك في المجتمعات الغربية، كما ساهم ظهور خط فكري موازٍ للفكر الديني إلى الحد نوعاً ما من السلطة السياسية للكنيسة، وإن كانت ــ أي الكنيسة ــ لا تزال تتمتع بسلطة مالية في أغلب أوروبا وبعض المجتمعات العربية!
في العالم الإسلامي لا تزال هناك رهبة وخوف من أي تجديد في الموروث الديني، بدليل الحروب الشرسة ضد مفكرين، مثل ابن رشد وطه حسين ونجيب محفوظ ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة وغيرهم.
ثقافة الخوف من تجديد الخطاب الديني تستقر عميقاً في وعي المسلم لأسباب عديدة، أهمها خوفه من طمس أو ضياع هويته التي تحدد علاقته بالعالم من حوله. هذا بالإضافة إلى حالة الهلع التي تصيب بعض من يحاول التفكير خارج إطار الخطاب الديني العام من النبذ المجتمعي، في حال خروجه عن الفكر السائد أو التقليدي! وبالطبع لا ننسى هنا الخوف من العقوبة القانونية، خصوصاً أن أغلب الدول الإسلامية تعاقب قانونياً أي محاولة لكسر حاجز التفكير التقليدي بحجة أنه يحمل إساءة للدين وللعقيدة.
إذاً، وفي ظل واقع كهذا تكون مؤتمرات واجتماعات وخطب التسامح الديني مناسبات لتبادل الكلمات والشعارات ليس أكثر، طالما بقي كل دين يرى في شعيرته الحقيقة المطلقة التي تفتقدها الأديان الأخرى.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى