
جاءت زيارة بابا وبطريرك الكرازة المرقسية تواضروس الثاني للكويت مؤخراً جميلة بكل المقاييس. فهي الزيارة التي تُذكّر من جديد ببنية الكويت التسامحية، التي عاش عليها أهل الكويت ومنذ العشرينيات، وذلك قبل أن تختطف “الصحوة” حصيلة تسامحهم التاريخي، وتبث في القلوب كل أشكال الخوف والرعب من الآخر، حتى وإن كان على هيئة دين سماوي يكمّل احترامه عقيدتنا كمسلمين.
F: ﵟإِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵒﵖﵜ .
زخر المؤتمر الصحافي، الذي عقده البابا تواضروس، بأسئلة كثيرة، كان أكثرها يصب في خانة إمكانية التسامح اليوم في ظل ما تشهده المنطقة من عنف وتطرف! كما جاءت أسئلة كثيرة تتعلق بالمخاطر الطائفية، التي قد تهدد نسيج مصر!
إجابات البابا كانت مفعمة بالحكمة والاعتدال والصراحة، والهدوء في الإجابة عن كل الأسئلة!
قد لا يكون هنالك خوف من انزلاق مصر طائفياً، كما حدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا، لكن ذلك لا يعني أنه ليست هنالك مخاطر حقيقية تستدعي دوراً أكبر للمؤسسات، خاصة المدنية منها. فالنسيج المصري القديم هاجمته بعض الثقوب، ذلك النسيج الذي شهد له المندوب السامي البريطاني يوماً في كتابه “مصر الحديثة”، قائلاً إن الفرق الوحيد بين المسيحي والمسلم، أن الأول مصري يتعبد في الكنيسة، والثاني مصري يتعبد في المسجد!
وإذا كان الجيش قد قطع الطريق على جماعة الإخوان في 2013، فإن ذلك لا يعني أنه لا يزال في قاع النسيج المصري من يرى أن “المسيحيين” “كفار” و”صليبيين”، وأن تفجير الكنائس طريق مختصر إلى الجنة، وأن المدارس القبطية هي مدارس علمانية، تروّج لعادات مختلفة عن العادات المصرية!
لعل من أجمل ما جاء في إجابات البابا، في مؤتمره الصحافي، حديثه حول تجديد الخطاب الأخلاقي بالتنسيق ما بين الأزهر والكنيسة أسوة بتجديد الخطاب الديني، حيث أشار إلى أن الأخلاق لا تتجدد، وإنما يوجد دائماً اهتمام بالأخلاق والمبادئ الإنسانية!
المشكلة سواء في مصر أو غيرها هي مشكلة في الثقوب التي نالت من النسيج المجتمعي وأتلفته. وهو أمر يحتاج إلى جيل أو جيلين لترميمه! النسيج المصري القديم، الذي تحدث عنه أحد الكتاب الإنكليز منذ أكثر من مئة عام، حين تناول حادثة انخفاض منسوب النيل عام 1908، معلقاً: شهد جامع عمرو الكبير في القاهرة مشهداً بارزاً بحق، كبار المشايخ المسلمين ورجال الدين الأقباط جميعاً، ومعهم رجال الدين من الكنائس الشرقية الأخرى والحاخامات اليهود، تجمعوا في صحن الجامع كي يتوحدوا في التضرع من أجل رفع منسوب المياه!
قصة ذكرها الكاتب المميز سعد القرشي في إحدى مقالاته، التي تناول فيها كيف أصبح المصريون طائفيين اليوم!
