
تعكس الضجة التي أثارها البعض تجاه التجمع السيخي الذي أشارت إليه بعض الصحف درجة الانغلاق التي يعاني منها ذلك البعض وعزلته عن باقي الحضارات والثقافات التي تشكل النسيج العام لعالمنا الواسع ومترامي الأطراف والهويات! مما يؤكد على حاجة ذلك البعض لدروس في ثقافة التسامح، وذلك بهدف توسعة إدراكهم لطبيعة النسيج البشري وألوانه!
“المعبد” الذي تحدث عنه بعض المتشنجين ثقافياً وحضارياً، ما هو سوى شقة أو بيت يجتمع فيه أفراد من طائفة السيخ لممارسة طقوسهم الدينية! ولا نتصور أن في هذا التجمع خطراً على الإسلام والمسلمين، ولا أنه يحوي اختراقاً لحرمة الدين الإسلامي، ولا نعتقد أبداً أنه كارثة خطرة تستدعي تدخل المسؤولين أو تحديد المسؤولية في وجوده داخل مجتمع مسلم! لسبب بسيط جداً وهو أن المتعبدين لم يزاولوا عبادتهم في أماكن عامة، ولم يكن من أهدافهم نشر ديانتهم أو التبشير بها ولم نسمع أن وافداً سيخياً تحدث عن دينه أو وزع الكتيبات والإعلانات في أماكن عامة وبهدف جذب آخرين من ديانات أخرى! لذا، فإننا نختلف وبشدة مع أولئك المتشنجين الذين يرون في ممارسة هذه الطائفة لطقوسها تهديداً وخطراً على الإسلام والمسلمين، لقد أصبحت ثقافة التسامح رمزاً وسمة بارزة من سمات عصر الحداثة والعولمة الذي نشهده اليوم ونعيشه، وقد كان نصيب الإسلام من تلك الثقافة الناضجة وافراً وثرياً، بل لقد كان لذلك التسامح دور مباشر في جذب الكثيرين إلى حضانة الإسلام وحضنه الآمن! وذلك قبل أن يشوه بعض المتشنجين تلك الصفة الإسلامية ويباعدوا بين الإسلام وخصاله الحضارية!
لقد حملت تلك الدعوة المتشنجة تناقضاً صارخاً مع الجهود الإسلامية الساعية إلى دمج الإسلام مع حضارات وثقافات العالم المختلفة، آخرها كان أمام المجلس الأرجنتيني للعلاقات الدولية، حيث أكد الدكتور عبدالعزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة حرص الإسلام على الحوار لتحقيق التعايش الثقافي بين شعوب العالم، واهتمام المنظمة بقضية الحوار بين الثقافات والحضارات وإيمانها بضرورة إقامة علاقات تعاون إنساني فعال بين الشعوب والأمم لكي يتسنى لها تطوير المجتمعات الإنسانية وتحديثها في دائرة القيم العليا والمثل السامية التي جاءت بها الأديان ونصت عليها القوانين الدولية!
لقد ظهر الإسلام في مجتمع وثني متعجرف وقوي، ومع ذلك فقد استطاع أن يسود ويمتد بعيداً خارج حدوده الأولى، ولم يكن من ضمن أدواته للانتشار أدوات ترهيب أو نفي وإنكار للآخرين على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم، بل كانت الحكمة والموعظة الحسنة هما شعاره وأسلوبه الأقوى في ذلك الامتداد الذي حققه الإسلام في فجره! ولم يكن من ضمن أدواته إرهاب أو إرغام وإجبار، ولم تحمل الأخلاق الإسلامية في فجرها كرهاً أو معاداة للثقافات أو للحضارات التي امتزج بها جيش الفتوحات الإسلامية! بل لقد ضرب المسلمون أمثلة حية على التسامح الذي حبب الإسلام وقربه إلى قلوب الشعوب والثقافات الأخرى! ولعل أبرز تلك الأمثلة ما جاء في سلوك نبي الأمة محمد c حين قدم إلى مكة فاتحاً منتصراً وأعلن عن تسامحه حين أطلق مقولته الخالدة:”اذهبوا فأنتم الطلقاء”، في إشارة إلى الوثنيين من أهل مكة، ثم بلغ التسامح المحمدي أقصاه حين أعلن لقومه أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن!
تلك هي الروح الإسلامية، وذلك هو نهج الإسلام الذي أمن له ازدهاراً وسيادة، وهذه هي روح التسامح الإسلامي التي نرفض وبشدة أن يشوه معالمها أفراد لا يشمون ريحها، ولا يدخلون دار أبي سفيان!
