الأرشيف

رؤية فهد المعجل الصغير

[جريدة القبس 1/9/2020]

يقال إن للأطفال والشيوخ قدرة وحكمة على رؤية الأمور تفوق من هم في منتصف العمر، فرؤية العالم بقلب طفل تأتي بلا شك مجردة من كثير من الالتزامات الفكرية والثقافية والسياسية، بينما يتمتع كبار السن بالحنكة والحكمة التي لا تأتي إلا بعد المرور بمحطات تجارب تصقلها.
فهد المعجل الصغير، ابن أخي ينتمي إلى الشريحة الأولى، فئة الأطفال الذين يرون الحقيقة بلا منغصات فكرية ولا التزامات سياسية أو اجتماعية، تعليق فهد الصغير على الأزمات التي تعيشها الكويت لخّصه بمثل يقول إننا لا نستطيع تغيير الأشجار إذا ما رسخت جذورها وأينعت، بمعنى إن أي محاولة للإصلاح لا تغوص في أساس المشكلة ستبقى دائماً محاولة مؤقتة لا تفي بالغرض.
ما قاله فهد الصغير ينطبق على كل محاولاتنا الإصلاحية، سواء في الاقتصاد أو على مستوى التعليم أو حتى في الشأن السياسي، فنحن لا نزال وبكل أسف نتعامل مع الأعراض ولا نغوص في مسببات المرض، ففي مشروع الإصلاح الاقتصادي تتفاوت المقترحات المقدّمَة بين استدانة وخفض للإنفاق، وإلغاء مكافآت، وهكذا، بينما لا يُمَس المرض الحقيقي والذي يتلخص في عجزنا عن إدارة ثروات طائلة طوال هذه السنوات. وبحيث لا نزال وبعد ما يقارب العقود السبعة من ظهور الثروة النفطية نستنسخ الميزانية والعقلية المالية نفسها التي تترقب سعر النفط الذي سيساعد ارتفاعه على ستر عورات فشلنا الاقتصادي.
التعليم كذلك يعاني الداء نفسه، فعلى الرغم من الميزانيات الهائلة التي تُصرَف لدعم العملية التعليمية، فإن المخرجات هزيلة، فالتعليم قبل أن يكون مباني فخمة وتجهيزات حديثة هو فلسفة يجب تحديد أهدافها أولاً. نحن حتى الآن لم نجب عن سؤال أساسي: ماذا نريد من التعليم؟ وهو السؤال الذي لم نخرج منه سوى بلجان تستنزف أموالاً ومؤتمرات فاخرة تنتهي نتائجها في قاعات انعقادها!
التعليم لا يزال وبكل أسف مصنّفاً وظيفياً، فالثانوي يؤهلك لدرجة وظيفية، والجامعي لأخرى وهكذا فإن فخامة المباني لن توفر حلاً للأزمة التعليمية، ما لم تواكب ذلك نظرية وفلسفة تعليمية معيارية ذات قيمة محددة وقائمة على افتراضات مدروسة وليست مسلوقة سلقاً! فنحن وبالرغم من كل مظاهر الصرف على قطاع التعليم، لا نزال نراوغ في أعراض المشكلة.
ومن المؤكد أن ذلك ينطبق على الشأن السياسي، فالانحدار المهول في مؤسسات الدولة كافة لن ترممه ندوات ولا مقالات ولا رؤية خمسية ولا غيرها، ومن دون إصلاح سياسي جاد وجذري ستبقى كل مشاكلنا عرضة لأن تطفو إلى السطح عند كل أزمة. فلتكن البداية مثلاً من إعادة الاعتبار أولاً إلى المؤسسة التشريعية فهي باب الأمة، بالإضافة إلى صياغة معايير حازمة وجادة للتعيين في الوظائف القيادية بدءاً من الوزير ونزولاً إلى أصغر موظف.
كثيرة هي الهموم والأزمات في بلدنا الصغير، ورؤية فهد المعجل الصغير لخّصت لنا ببراءة وصدق فلسفة الإصلاح الحقيقي، نبدأ بالجذور لترميم الشجر، وبالأسباب لشفاء المرض.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى